الأسواق تترقب اليوم محضر «الفيدرالي» لمعرفة توجهات وارش بشأن الفائدة
لم يعد السؤال المطروح في وول ستريت ما إذا كان مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيتجه إلى تشديد السياسة النقدية، بل إلى أي مدى يمكن أن يذهب رئيسه كيفن وارش في مواجهة موجة تضخم تعود إلى الواجهة بدعم من ارتفاع أسعار الطاقة واستمرار متانة الاقتصاد الأميركي. وتترقب الأسواق اليوم محضر اجتماع البنك المركزي بحثاً عن إشارات تؤكد ما إذا كان هذا التوجه يحظى بإجماع متزايد داخل لجنة السياسة النقدية.
وتزامن انتظار المحضر مع تصاعد غير مسبوق تقريباً في رهانات المستثمرين ضد سوق السندات الأميركية، بعدما دفعت المخاوف من عودة الضغوط التضخمية عوائد سندات الخزانة إلى أعلى مستوياتها منذ ما يقرب من عقدين.
وارتفع العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى مستويات لم تسجل منذ عام 2007، بينما صعد العائد على السندات لأجل عامين إلى أعلى مستوياته منذ 2024، في دلالة على أن المستثمرين يطالبون بعائد أكبر للاحتفاظ بالدين الحكومي وسط توقعات باستمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
“وول ستريت” تراهن على استمرار نزيف السندات
تكشف بيانات التموضع في الأسواق أن المستثمرين لا يتعاملون مع موجة بيع السندات الأخيرة باعتبارها فرصة للشراء، بل يرون أنها قد تستمر.
فبحسب استطلاع عملاء “جي بي مورغان”، سجلت المراكز المدينة على سندات الخزانة أكبر قفزة أسبوعية منذ مطلع 2025، بينما زادت أيضاً الرهانات السلبية في عقود الخزانة الآجلة وعقود الأموال الفيدرالية، ما يعكس قناعة متزايدة بأن السياسة النقدية الأميركية تتجه نحو مزيد من التشدد.
ووصف استراتيجي الأسواق لدى “سيتي بنك”، ديفيد بيبر، هذا التموضع بأنه “متطرف تكتيكياً”، مشيراً إلى أن المستثمرين يطاردون الارتفاع المستمر في العوائد بدلاً من الرهان على انعكاسه.
وارش تحت ضغط إثبات مصداقية الفيدرالي
تعكس هذه الرهانات ثقة تتجاوز 90% في أن الاحتياطي الفيدرالي سيتخذ خطوة رفع للفائدة، وهي نسبة نادراً ما تخطئ تاريخياً في تسعير قرارات البنك المركزي الأميركي.
ويرى المستثمرون أن وارش يواجه اختباراً حاسماً لمصداقيته بعد أن أدى ارتفاع النفط وتجدد الضغوط التضخمية إلى تبديد رهانات كانت سائدة قبل أسابيع فقط على خفض الفائدة.
وقال رئيس الأبحاث والاستراتيجية الاستثمارية العالمية في “كارليل”، جيسون توماس، إن الفيدرالي يتعرض لـ”ضغوط هائلة” لتنفيذ رفع للفائدة، محذراً من أن استمرار ارتفاع الأسعار أضر بالقوة الشرائية للأسر الأميركية وأعاد قضية استقرار الأسعار إلى صدارة أولويات البنك المركزي.
وفي المقابل، يمثل كريستوفر والر أحد أبرز الأصوات الداعية إلى التريث داخل المجلس، إذ أشار في وقت سابق من الشهر إلى استعداده لدعم الإبقاء على الفائدة دون تغيير إذا استمر التضخم في التباطؤ، قبل أن يربط تأييد أي رفع جديد بصدور بيانات تضخم أقوى من المتوقع.
المحضر قد يكشف حجم الانقسام داخل البنك المركزي
تكمن أهمية محضر الاجتماع المرتقب في أنه قد يقدم صورة أوضح عن موازين القوى داخل لجنة السياسة النقدية.
ففي اجتماع يوليو الماضي ظهر انقسام نادر داخل الفيدرالي بعدما فضل ثلاثة أعضاء رفع الفائدة بدلاً من تثبيتها، وهو ما أثار تساؤلات حول حجم المعسكر المؤيد للتشديد ومدى توافقه مع رؤية وارش.
وسيبحث المستثمرون بين سطور المحضر عن أي إشارة إلى أن القلق من التضخم لم يعد مقتصراً على عدد محدود من المسؤولين، بل أصبح توجهاً أوسع داخل البنك المركزي.
ليس الرفع هو القضية.. بل ما بعد الرفع
لكن التحدي الأكبر للأسواق قد لا يكون قرار الفائدة نفسه.
فالكثير من المتعاملين يعتقدون أن الرفع أصبح شبه محسوم، وأن ما سيحرك الأسواق فعلياً هو الرسالة المصاحبة للقرار، وما إذا كان الفيدرالي سيشير إلى مزيد من التشديد خلال الاجتماعات المقبلة.
وتتوقع أسواق المقايضات حالياً نحو 50 نقطة أساس إضافية من التشديد النقدي قبل نهاية العام، بما يعني أن المستثمرين لا يراهنون على خطوة واحدة فقط، بل على مسار كامل من رفع الفائدة.
ويرى محللو بنك أوف أميركا أن المراكز الاستثمارية لا تزال منحازة بقوة إلى الاتجاه السلبي للسندات، مع تراجع واضح في عمليات الشراء عند الانخفاضات، وهو ما يعكس قناعة بأن العوائد طويلة الأجل قد ترتفع أكثر إذا فشل الفيدرالي في إقناع الأسواق بأنه قادر على إعادة التضخم إلى مستهدفاته.
تكشف رهانات سوق السندات أن المستثمرين باتوا ينظرون إلى اجتماع الفيدرالي الحالي باعتباره استفتاءً على قدرة وارش على استعادة السيطرة على توقعات التضخم.
لذلك لن يقتصر اهتمام الأسواق اليوم على تفاصيل محضر الاجتماع أو حتى قرار الفائدة نفسه، بل على الإجابة عن سؤال أكبر: هل يكتفي الفيدرالي برفع واحد لإثبات جديته، أم أن الولايات المتحدة تقف أمام بداية دورة تشديد جديدة قد تدفع عوائد السندات إلى مستويات لم تشهدها منذ الأزمة المالية العالمية؟
المصدر: العربية – اقتصاد





