من الفيوم إلى سويسرا.. رحلة استرداد قناع جنائزي مذهب
شهدت العاصمة السويسرية برن محطة النهاية في رحلة تهريب دولية لقناع جنائزي مصري أثري مذهب يرجع تاريخه إلى أكثر من 3000 عام، بعد أن تسلم السفير المصري لدى سويسرا محمد يحيى نجم القطعة الأثرية رسمياً من المستشارة الفيدرالية ورئيسة الإدارة الفيدرالية للشؤون الداخلية إليزابيث باومه شنايدر خلال مراسم احتفالية بحضور ممثلين عن المكتب الفيدرالي للثقافة السويسري ووزارة السياحة والآثار المصرية، تنفيذاً لحكم قضائي حاسم قضى بمصادرة الأثر وإعادته إلى موطنه الأصلي، وفق ما أكده بيان رسمي صادر عن السفارة السويسرية بالقاهرة.
رحلة القناع الجنائزي
وبدأت خيوط الكشف عن هذه القطعة الأثرية في منتصف سبتمبر من عام 2022، عندما قدم أحد الناقلين أوراقاً لاستيراد القناع عبر نقطة التفتيش الجمركية في باردونيه بمدينة جنيف على الطريق السريع الممتد بين فرنسا وسويسرا لصالح جامع التحف الفنية في جنيف ستيفان باربييه-مولر لتزيين منزله. غير أن التدقيق الجمركي الفيدرالي أثار شكوكاً قوية بشأن المالكين السابقين والأوراق المرفقة، مما دفع موظفي الجمارك إلى وقف عملية إدخال الأثر المصري فوراً وحظره وتحويل الملف كاملاً إلى المكتب الفيدرالي للثقافة لإخضاعه للفحص العلمي والتدقيق الأثري المعتمد، وفق موقع آرت ديبيندينس المتخصص في الشؤون الثقافية.

إذ أخضعت السلطات السويسرية القناع لتقييم دقيق أجراه خبير في علم المصريات من المتحف البريطاني، والذي أكد أصالة القطعة وتأريخها الدقيق للقرن الثاني قبل الميلاد خلال منتصف العصر البطلمي، وهي المدى الزمني الفاصل بين وفاة الإسكندر الأكبر وانتحار الملكة كليوباترا السابعة وانتقال مصر للسيطرة الرومانية.
كما رجح الخبير أن القناع استُخرج من إحدى المقابر الأثرية الواقعة في المنطقة الجنوبية الشرقية لإقليم الفيوم جراء أعمال تنقيب خفي ونهب غير مشروع، حيث عزز المحققون فرضية النهب استناداً إلى خلو السجلات العلمية المتخصصة من أي ذكر لهذه القطعة الاستثنائية رغم جودتها العالية.
مواصفات الأثر المسترد
هذا ويمتلك القناع الجنائزي المسترد قيمة فنية وهندسية عالية وينتمي لفئة أقنعة الكرتوناج المذهبة المشكلة من طبقات الكتان والجص المعالج والمطلي بألوان متعددة. ويمتاز بحالة حفظ استثنائية للغاية تجعله نموذجاً متكاملاً للفن الجنائزي في العصر البطلمي. إذ صُمم لتغطية وجه المتوفى وحمايته وفق العقيدة المصرية القديمة، معتمداً تشكيلاً مثالياً للوجه يبرز الملامح المذهبة الدقيقة إلى جانب تفاصيل الباروكية والزخارف الهندسة الملونة التي تعكس دمجاً بين التقاليد الفنية المصرية والمؤثرات الكلاسيكية، وقدرة الصانع المصري القديم على معالجة الخامات لإبراز الهيبة والرمزية الجنائزية.

امتدادات الشبكة الدولية
يشار إلى أن المستندات القضائية الصادرة عن موقع “آرت كرايم” أوضحت أن التحقيقات الجنائية التي فتحها الادعاء العام في جنيف خلال سبتمبر من عام 2023 بتهم غسيل الأموال وتلقي ممتلكات مسروقة واختراق قوانين نقل الممتلكات الثقافية كشفت مرور القناع عبر معرض ميرين المملوك لتجار الآثار صامويل وإدوارد ميرين في نيويورك، وهو معرض يرتبط اسمه بعدد من القضايا الدولية لاستعادة الآثار المنهوبة لصالح دول عدة منها مصر والمكسيك وتركيا وإيطاليا، لتنتهي الإجراءات الجنائية في سويسرا بأمر مصادرة نهائي أصدره مكتب المدعي العام في فبراير 2026 بعد تنازل باربييه-مولر عن أي مطالبات للاعتراض على التسليم.

وتندرج هذه الخطوة ضمن الإطار المباشر لتفعيل الاتفاقية الثنائية المبرمة بين مصر وسويسرا عام 2008 والمتعلقة بمنع الاستيراد والنقل غير المشروع للممتلكات الثقافية وإعادتها، والتي دخلت حيز التنفيذ العملي عام 2011. وأثمرت حتى الآن عن استعادة نحو 80 قطعة أثرية وثقافية مصرية خرجت بأساليب غير مشروعة، وفق المعلومات الصادرة عن المكتب الفيدرالي للثقافة في سويسرا، لتؤكد الواقعة أهمية تدقيق وثائق الملكية التاريخية للآثار وتتبع المسارات التجارية والتصدي للشبكات الممتدة عبر الحدود للحفاظ على التراث الإنساني.
المصدر: العربية – منوعات
