مصر والسعودية.. ركيزة التوازن العربى
اكتسبت زيارة ولى العهد السعودى ورئيس مجلس الوزراء، الأمير محمد بن سلمان، إلى القاهرة أهمية خاصة؛ لما تملكه مصر والسعودية من ثقل سياسى واقتصادى، وقدرة على التأثير فى قضايا تمس الأمن العربى، من الخليج إلى البحر الأحمر، ويتداخل فيها أمن الطاقة والملاحة. وتنبع خصوصية العلاقة بين البلدين من تاريخ تراكمت فيه الثقة والتفاهم، مما جعل التشاور بينهما ثابتاً فى القضايا العربية؛ واتسعت دوائره من فلسطين إلى السودان واليمن وسوريا ولبنان وأمن البحر الأحمر. تفرض التطورات الراهنة تنسيقاً اتصالاً بالأمن المباشر، بعدما امتدت المواجهات إلى مضيقى هرمز وباب المندب، وتشابك أمن الطاقة مع الملاحة؛ فأمن البحر الأحمر يرتبط بقناة السويس والمصالح البحرية المصرية، وبالسواحل والموانئ والمصالح الاقتصادية السعودية، مما يجعل استقراره قضية تتجاوز الحسابات الثنائية. تقوم الرؤية المصرية السعودية على حماية الدولة الوطنية ووحدة أراضيها، وفتح الطريق للحلول، ورفض تحويل الساحات العربية إلى مجالات لتصفية الحسابات، أو فرض ترتيبات من خارجها، وقد أخذ هذا التفاهم خلال السنوات الأخيرة شكلاً أكثر انتظاماً، لاسيما مع تشكيل مجلس التنسيق الأعلى فى 2024، بما وفر إطاراً مؤسسياً امتدت مباحثاته إلى غزة ولبنان والبحر الأحمر والسودان وليبيا وسوريا. ويجد هذا التفاهم السياسى امتداده الطبيعى فى العلاقات الاقتصادية التى اتسعت من المبادلات التجارية إلى الاستثمار والطاقة؛ فالسعودية ثانى أكبر سوق للصادرات المصرية التى ارتفعت إلى 9.2% فى النصف الأول من عام 2026 لتصل إلى 1.649 مليار دولار، فيما تقترب الاستثمارات السعودية فى مصر من 35 مليار دولار، إلى جانب مشروع الربط الكهربائى بقيمة 1.8 مليار دولار، وهى مصالح تعزز استمرارية الشراكة. إن دلالة التاريخ والأرقام تكمن فى تراكم خبرة وثقة تجعلان القاهرة والرياض أكثر قدرة على فهم الحسابات وإدارة الأزمات، وفى إقليم تتبدل فيه خرائط القوة، تصبح هذه الخبرة رصيداً استراتيجياً يُبنى عليه. لذلك، تتجاوز قيمة زيارة محمد بن سلمان أبعاد التفاهمات الاقتصادية والاستثمارية، لفتح آفاق أرحب لشراكة مصرية سعودية تجاه قضايا الإقليم؛ فأمن الخليج يرتبط بالبحر الأحمر، وحين تتفق القاهرة والرياض، يفتح تفاهمهما المجال لحضور عربى أكثر قدرة على التأثير، لتصبح المصالح العربية جزءاً من صناعة التسويات، لا مجرد متلقٍ لنتائج يفرضها الآخرون.
نقلاً عن الأهرام
المصدر: العربية – سياسة





