لن ترونا إلا معا
لا يوجد وصف يليق بالقمة المصرية السعودية الأخيرة، سوى أنها قمة كبار الإقليم فى وقت يتهاوى فيه الشرق الأوسط، ويعانى من تراكم مزمن للأزمات والصراعات وتشابك المصالح وتضاربها أيضاً، وضغوط هائلة من كيانات هلامية صنعها الفراغ الاستراتيجى والأمنى فى عدة دول عربية، ليصنع كل ذلك واقعاً سياسياً معقداً ليس من السهل الخروج منه، وخلف كل ذلك يجلس الكيان الصهيونى منتظراً لحظة الانقضاض على شعوب ودول المنطقة لحرمانها من ثرواتها ومقدراتها وأسباب وجودها.
تساءل الكل عما سيتفق عليه زعيما البلدين خلال هذه القمة، ولكن فات عليهم أن الاتفاق قائم وينفذ بالفعل، وأن البلدين يتحركان معاً لاستعادة عقل ذلك الإقليم، عبر آلية رباعية بالاشتراك مع تركيا وباكستان، كما لا يمر أسبوع دون لقاء أو اتصال هاتفى بين مسئولى البلدين، ما يعكس تطابق أهدافهما الاستراتيجية فى كل القضايا الإقليمية.
ونظرة سريعة على البيان الختامى تكفى، لندرك جميعاً أننا أمام قمة جنى ثمار هذا التنسيق، ولم يكن غريباً أن يشير الزعيمان فى هذا البيان باتجاه الاضطراب الذى يتوسع فى أسواق الطاقة العالمية والتجارة الدولية، وينعكس سلباً على مؤشرات أداء الاقتصاد الدولى ككل، نتيجة ما يحدث فى مضيقى هرمز وباب المندب والممرات البحرية الدولية، وما يمثله ذلك من تهديدات للأمن القومى للقاهرة والرياض معاً.
كما اهتم البيان بثلاث قضايا إقليمية بالغة الخطورة، وهى قضايا اليمن وفلسطين والسودان، وكان من اللافت استخدام لهجة عاقلة ومتزنة، تتناقض مع كل التصعيدات الجارية بالمنطقة، وتؤكد الثقة التى يتمتع بها البلدان، وإعطاء الأولوية للحوار البناء، وتطبيق مبادئ القوانين الدولية، إضافة إلى رغبة البلدين فى تفويت الفرصة على من يشعل هذه النيران، فى أن يحقق أهدافه الخبيثة، وذلك من أجل الحفاظ على موارد وثروات شعوب المنطقة، وعدم إهدارها فى حروب عبثية لن تغير من الواقع شيئاً.
فيما يخص القضية الفلسطينية، وتجديد التأكيد على ضرورة تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق الرئيس ترامب للسلام، وإجبار إسرائيل على تنفيذ استحقاقاتها التى وافقت عليها بموجب هذا الاتفاق، وأهمها السماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى سكان قطاع غزة، والتشديد على ضرورة حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية على أساس قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
أما فيما يخص اليمن، فقد أكد البلدان ضرورة وضع حل سياسى شامل لهذه الأزمة، مع دعم مصرى للإجراءات التى ستتخذها المملكة العربية السعودية لحفظ أمنها القومى، ويملك البلدان من أسباب القوة السياسية ما يمكنهما من تحقيق ذلك، بعيداً عن إذكاء الصراعات الوهمية، أو المبالغات الإعلامية، التى لا تريد خيراً لأحد.
ولم يكن السودان غائباً عن هذه القمة التاريخية، وللمرة الثانية خلال أسبوع، يكرر الرئيس عبدالفتاح السيسى أن أمن السودان وسلامته واستقراره ووحدة أراضيه أصبحوا بمثابة خطوط حمراء، لن تسمح مصر بتجاوزها، ولم يكن مفاجئاً أن يؤكد سمو الأمير محمد بن سلمان على ذات الخطوط الحمراء، وهنا يبرز ملف البحر الأحمر كوسيط يجمع البلدان الثلاثة، وهى رسالة ضرورية فى وقت تتعرض فيه خريطة النفوذ والجغرافيا فى البحر الأحمر للعبث.
ولكن أبرز ما حمله البيان هو الرغبة الكاملة من البلدين فى التكامل الاستراتيجى، وتفعيل الشراكة الاستراتيجية الشاملة بينهما، هذه الشراكة التى هى فى الواقع أكبر من المواقف والأزمات العابرة، شراكة صاغها التاريخ وعمّقتها الجغرافيا، فالتكامل بين القاهرة الرياض هو الخطر الأكبر على كل أعداء الأمة العربية، سينتهى كل شىء، ولن يبقى من الأحداث الجارية إلا عبارة تلخص الأمر ببلاغة فائقة، وهى «لن ترونا إلا معاً»!
نقلاً عن الوطن
المصدر: العربية – سياسة





