أزمة النفط تكشف اقتصاداً موازياً وشبكات فساد في إيران
رجوع
ملخص الخبر
- أثارت استقالة وزير النفط الإيراني جدلاً واسعاً حول ملف بيع النفط عبر شبكات الوسطاء والفساد المالي الملحوظ.
- كشفت تقارير رسمية عن وجود نحو 11 مليار دولار لدى الوسطاء، منها 1.6 مليار دولار تعرضت لسوء استخدام.
- أعلنت السلطات القضائية عن فتح 59 قضية مرتبطة بالوسطاء النفطيين، مع إيقاف 22 متهماً وإصدار طلبات ضبط بحق 15 شخصاً.
- كشفت التحقيقات عن وجود شبكات معقدة مرتبطة بأجهزة أمنية وعسكرية لإخفاء مصدر النفط وتجاوز العقوبات الدولية.
ملخص كتبه الذكاء الاصطناعي من نص الخبر في مصدره.
أعادت استقالة وزير النفط الإيراني محسن باكنجاد، التي قبلها الرئيس مسعود بزشكيان في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ملف بيع النفط عبر شبكات الوسطاء إلى واجهة الجدل الاقتصادي والسياسي في إيران، في وقت تتزايد فيه الضغوط على عائدات النفط وتتسع الأسئلة حول مصير مليارات الدولارات الناتجة عن عمليات البيع خارج القنوات الرسمية. وبعد الاستقالة، كُلّف حميد بورد، الرئيس التنفيذي للشركة الوطنية الإيرانية للنفط، بتولي مهام القائم بأعمال وزير النفط.
وأعلنت الرئاسة الإيرانية أن السبب الرسمي لاستقالة باكنجاد هو “أسباب شخصية”، وأن الوزير كان قد طلب التنحي قبل ذلك، إلا أن توقيت القرار لا يمكن فصله عن الأزمة المتفاقمة داخل قطاع النفط والجدل المتصاعد حول آليات بيع الخام وإعادة عائداته إلى البلاد.
ولا يعني هذا التزامن أن استقالة باكنجاد تثبت تورطه شخصيا في أي ملف فساد، إذ لا توجد أدلة علنية تثبت ذلك، لكن خروج وزير النفط من الحكومة في هذه المرحلة، بينما تتزايد الملفات المتعلقة بالوسطاء النفطيين والأموال غير المسددة والتحقيقات الرقابية والبرلمانية، يمنح الاستقالة دلالة سياسية واقتصادية تتجاوز الرواية الرسمية.
الوسطاء النفطيون.. آلية للعقوبات تحولت إلى اقتصاد مواز
نشأ نظام الاعتماد على الوسطاء النفطيين في إيران باعتباره آلية استثنائية للتعامل مع العقوبات، بعدما أصبحت القنوات المصرفية والتجارية الرسمية عاجزة عن استيعاب جزء كبير من عمليات تصدير النفط وتحويل عائداته.
وتقوم هذه الآلية على منح أشخاص أو شركات دورا في بيع النفط أو المنتجات النفطية في ظروف العقوبات، واستلام العائدات من المشترين ثم إعادتها إلى إيران عبر مسارات مالية وتجارية غير مباشرة.
لكن الآلية التي بررها النظام بالحاجة إلى الالتفاف على العقوبات خلقت في الوقت نفسه مساحة مالية ضخمة خارج الشفافية المعتادة، وأصبح السؤال مطروحا حول هوية الأشخاص والشركات الذين يحصلون على النفط، والمعايير التي يتم على أساسها اختيارهم، والضمانات التي تقدم للدولة، والأهم من ذلك: أين تذهب الأموال بعد بيع الشحنات، ومتى تعود إلى إيران، ومن يراقب مسارها؟
وتكشف الأرقام التي أعلنتها مؤسسات إيرانية رسمية حجم المشكلة. فقد تحدث رئيس هيئة التفتيش العامة في إيران ذبيح الله خدائيان عن وجود نحو 11 مليار دولار من الموارد المالية لدى الوسطاء النفطيين، مؤكدا أن وجود هذا المبلغ لدى الوسطاء لا يعني أن كامل الأموال تعرض للسرقة أو المخالفة، لكنه أشار إلى أن نحو 1.6 مليار دولار تعرض لسوء استخدام من جانب بعض الوسطاء.
وبحسب ما أعلنته السلطات القضائية الإيرانية، فُتحت 59 قضية مرتبطة بهذا الملف، وأحيلت 43 قضية منها إلى المحاكمة، فيما أوقف 22 متهما، وصدرت طلبات «نشرة حمراء» بحق 15 شخصا موجودين خارج إيران. كما تحدثت السلطات عن حالة حصل فيها أحد الوسطاء على 200 مليون دولار ثم غادر البلاد من دون إعادة الأموال.
وهذه الأرقام لا تعني أن كل دولار موجود لدى الوسطاء يمثل فسادا، لأن جزءا من الأموال قد يكون مرتبطا بدورة البيع والتحويلات والعقود المبرمة في ظروف العقوبات، لكن اعتراف مؤسسات الرقابة والقضاء بوجود مليارات الدولارات في هذه القنوات، وفتح عشرات الملفات القضائية، يؤكد أن القضية تتجاوز مجرد اتهامات إعلامية أو سجال سياسي.
86 مليون برميل وشبكات متداخلة مع استخبارات الحرس الثوري
وتزداد خطورة الملف عندما يتعلق الأمر بحجم النفط الذي جرى تسليمه إلى بعض الوسطاء. ففي إحدى القضايا التي أثارت جدلا واسعا داخل إيران، تحدثت تقارير عن تسليم أكثر من 86 مليون برميل من النفط إلى أربعة وسطاء مدينين للدولة، بينما طالب نحو 30 نائبا في البرلمان الإيراني بفتح تحقيق وتقصٍّ حول آلية هذه العمليات والمسؤوليات المرتبطة بها.
وهنا يظهر السؤال الأساسي: كيف يمكن أن تصل عشرات الملايين من براميل النفط إلى عدد محدود من الوسطاء، ومن يحدد شروط التسليم، وما الضمانات التي تحصل عليها وزارة النفط، ومن المسؤول عن متابعة العائدات بعد بيع تلك الشحنات؟
كما ظهرت خلال السنوات الماضية معلومات عن شبكات مختلفة للوساطة في تجارة النفط مرتبطة بمراكز نفوذ وأجهزة أمنية، في وقت تحدثت فيه تقارير إيرانية عن شبكات يُنسب ارتباط بعضها إلى وزارة الاستخبارات، وأخرى إلى جهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني.
ولا يعني ورود أسماء شركات أو أفراد في التقارير أو التحقيقات أنهم جميعا مدانون قضائيا، لكن تشابك المصالح النفطية مع المؤسسات الأمنية والعسكرية ومراكز النفوذ يكشف مدى تعقيد الاقتصاد الموازي الذي نشأ في ظل العقوبات.
وتتجاوز القضية بذلك مسألة شركة أو وسيط بعينه إلى أسئلة تتعلق ببنية اتخاذ القرار داخل قطاع النفط: من يختار الوسطاء؟ من يمنحهم القدرة على الوصول إلى النفط؟ من يحدد المشترين؟ من يتابع عمليات النقل؟ ومن يراقب الأموال بعد إتمام البيع؟
كما تكشف الإجراءات الأميركية خلال السنوات الماضية عن وجود بنية خارجية واسعة لتسويق النفط الإيراني، تعتمد على شركات وواجهات تجارية وسفن ووسطاء وشبكات مالية لنقل الخام وإخفاء مصدره. وقد قالت وزارة الخزانة الأميركية في مارس/آذار 2025 إن باكنجاد كان يشرف على صادرات نفطية بمليارات الدولارات، وإن وزارة النفط خصصت كميات من النفط للقوات المسلحة الإيرانية، بما فيها الحرس الثوري وقوات إنفاذ القانون، في وقت اعتمدت فيه طهران على أسطول ظل وشركات ووسطاء لنقل النفط، ولا سيما إلى الصين.
الخزانة الأميركية تكشف عن شبكات من الشركات الوهمية
وفي إجراءات لاحقة، كشفت الخزانة الأميركية عن شبكات من الشركات الوهمية والوسطاء وسفن “أسطول الظل” التي تستخدم لنقل النفط الإيراني وإخفاء مصدره، بما في ذلك عمليات النقل من سفينة إلى أخرى وتغيير وثائق الشحن والتلاعب ببيانات تعريف السفن.
وهذا يعني أن منظومة الوسطاء النفطيين لا تعمل في فراغ، بل تمثل جزءا من بنية أكبر للاقتصاد الإيراني الموازي، تتداخل فيها تجارة النفط مع شبكات النقل البحري، وشركات الصرافة والتحويلات، والواجهات التجارية الخارجية، ومؤسسات الدولة والأجهزة العسكرية والأمنية.
أموال النفط والتمويل السياسي
الجانب الأكثر إثارة للجدل في القضية جاء من داخل المنظومة السياسية نفسها، عندما تحدث وزير الاتصالات الإيراني السابق محمد جواد آذري جهرمي عن قيام أشخاص استفادوا ماليا من أموال بيع النفط عبر شبكات الوسطاء بتحويل جزء من أموال النظام الإيراني إلى ولي عهد النظام السابق رضا بهلوي.
وتكمن أهمية هذا الادعاء، إذا ثبتت صحته، في أنه ينقل القضية من مستوى الفساد المالي إلى مستوى الصراع السياسي على مستقبل إيران.
وتكمن أهمية تصريحات آذري جهرمي أيضا في أنه لم يكتف بالحديث عن الأموال، بل طرح سؤالا مباشرا حول سبب عدم محاسبة القائمين على هذه الشبكات، رغم معرفة الجهات العليا في النظام بهوياتهم وأنشطتهم، وتساءل عن كيفية إعادة استخدام شبكات سبق أن أخلّت بالأمانة المالية في ظروف شديدة الحساسية.
وإذا ثبت أن جزءا من الأموال الناتجة عن تجارة النفط الإيرانية وصل فعلا إلى رضا بهلوي، فإن ذلك يفتح بابا سياسيا خطيرا إلى جانب البعد المالي، لأن توجيه أموال خرجت أصلا من منظومة بيع النفط إلى شخصية تختلف حولها المعارضة الإيرانية يمكن أن يخدم عمليا تفتيت صفوف المعارضة وإضعاف قدرتها على بناء جبهة موحدة في مواجهة النظام.
استقالة باكنجاد والسؤال الأكبر
جاءت استقالة محسن باكنجاد في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026، لتكون أول استقالة لوزير من حكومة مسعود بزشكيان منذ تشكيلها، بحسب ما أوردته التقارير الإيرانية، فيما تولى حميد بورد، الرئيس التنفيذي للشركة الوطنية الإيرانية للنفط، مهام وزارة النفط مؤقتا.
ولا تثبت الاستقالة بحد ذاتها تورط باكنجاد في شبكات الفساد، كما أن السبب الحقيقي للاستقالة لم يُكشف بصورة تتجاوز الرواية الرسمية التي تتحدث عن أسباب شخصية. لكن توقيتها، بعد تصاعد الجدل حول أموال النفط وشبكات الوسطاء والتحقيقات البرلمانية والقضائية، يمنحها دلالة سياسية واقتصادية لا يمكن تجاهلها.
كما أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على باكنجاد في مارس/آذار 2025، وقالت إن وزارة النفط في عهده خصصت كميات من النفط للقوات المسلحة الإيرانية، في وقت كانت فيه طهران تعتمد بصورة متزايدة على شبكات غير تقليدية لتصدير النفط وإخفاء حركة الشحنات.
لكن القضية الأهم ليست فقط مقدار النفط الذي تستطيع إيران بيعه رغم العقوبات، وإنما ما يحدث بعد إتمام البيع.
فحتى عندما تنجح طهران في تجاوز العقوبات وإيصال النفط إلى المشتري، يبقى السؤال: كم تبلغ قيمة النفط المباع؟ كم يصل فعليا إلى الدولة؟ كم يذهب إلى العمولات وتكاليف الوسطاء والشحن والتحويل؟ وكم من الأموال يبقى عالقا في الخارج؟ ومن يراقب الفارق بين قيمة الشحنة والعائد الذي يعود إلى الخزانة الإيرانية؟
المفارقة الاقتصادية الأشد قسوة
إيران تمتلك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، لكن المواطن الإيراني يواجه في الوقت نفسه ارتفاعا في أسعار الغذاء والسكن والدواء، وتراجعا في القوة الشرائية، وتدهورا مستمرا في قيمة العملة.
ولهذا لا يمكن تفسير الأزمة الاقتصادية الإيرانية بالعقوبات وحدها. فالعقوبات تخلق الظروف التي تدفع الدولة إلى استخدام القنوات غير التقليدية، لكن غياب الشفافية وتعدد مراكز القرار وتحول الوسطاء إلى أصحاب ثروات ونفوذ، كلها عوامل تضاعف الكلفة التي يتحملها المجتمع الإيراني.
وفي هذا السياق، لا تبدو قضية الوسطاء النفطيين مجرد قصة عن أموال لم تعد إلى إيران، بل عن نموذج اقتصادي نشأ في ظل العقوبات ثم تحول تدريجيا إلى جزء من بنية السلطة نفسها.
وفي نهاية المطاف، القضية ليست محسن باكنجاد وحده، ولا وسيطا بعينه، ولا حتى مبلغ الـ11 مليار دولار الذي قيل إنه موجود لدى الوسطاء. القضية هي منظومة كاملة نشأت حول تجارة النفط في ظل العقوبات، وأصبحت فيها الثروة النفطية، التي يفترض أن تمثل موردا عاما للشعب الإيراني، تمر عبر قنوات مغلقة تتعدد فيها مراكز القوة والمصالح.
مليارات الدولارات لدى الوسطاء
وعندما تعترف مؤسسات الرقابة والقضاء بوجود مليارات الدولارات لدى الوسطاء، وتفتح عشرات الملفات، وتظهر في الوقت نفسه اتهامات بارتباط بعض هذه الشبكات بمراكز أمنية وعسكرية، ثم تبرز ادعاءات عن توجيه جزء من الأموال إلى نشاط سياسي خارج النظام، فإن السؤال لم يعد فقط: أين ذهبت أموال النفط؟
بل أصبح السؤال الأهم: من يملك القرار الحقيقي في النفط الإيراني، ومن يراقب الشبكات التي تبيعه، ولمن تعود في النهاية مليارات الدولارات الناتجة عنه؟
وهذا هو جوهر الأزمة: العقوبات قد تفسر لماذا اضطرت إيران إلى إنشاء طرق غير تقليدية لبيع النفط، لكنها لا تفسر وحدها لماذا تحولت هذه الطرق إلى اقتصاد مواز بهذا الحجم، ولماذا أصبحت أموال النفط نفسها موضع صراع بين شبكات ومراكز نفوذ داخل النظام؟
المصدر: العربية – اقتصاد