أهالي الضاحية الجنوبية ينزحون مجددًا قبيل العيد بعد تهديد نتنياهو بتكثيف الضربات
مساء أمس، الإثنين، جلست ريما إسماعيل مع عائلتها في منزلها في منطقة الصفير بضاحية بيروت الجنوبية، يشاهدون الأخبار وينتظرون إعلانًا لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، كانوا يأملون أن يتزامن مع عيد الأضحى ويشمل وقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان.
كانت إسماعيل تتابع عن كثب التصريحات التي أشارت إلى اقتراب التوصل إلى اتفاق، وللمرة الأولى منذ أيام، ظنت أنها ستنال بعض الراحة.
لكن بدلًا من ذلك، أطل رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بمقطع فيديو عبر منصة تيليجرام، هدّد فيه بتصعيد الهجمات على لبنان، فيما بدأت تتداول سريعًا تقارير تحذّر من احتمال شن غارات على الضاحية الجنوبية.
بالنسبة لكثيرين ممن عادوا مؤخرًا إلى الضاحية، بدّدت التهديدات مجددًا أي شعور بالاستقرار، وسرعان ما بدأ الأهالي يغادرون منازلهم، في حين شهد طريق صيدا القديم -أحد الطرق الرئيسية المؤدية إلى الضاحية- ازدحامًا متزايدًا، وامتلأت الطرق السريعة بمئات السيارات مع نزوح العائلات خشية التصعيد.
كان وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، قد دعا أمس، إلى شن غارات تستهدف مباني في بيروت وتدمرها، معتبرًا ذلك ردًا على استخدام حزب الله لمسيّرات انتحارية ضد القوات الإسرائيلية التي تواصل عملياتها في جنوب لبنان. كما نقلت تقارير عبرية عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين، لم تسمّهم، توقعهم تصعيد الهجوم على لبنان بعد مصادقة القيادة السياسية في تل أبيب عليه، بما يشمل استهداف شخصيات قيادية في حزب الله داخل بيروت.
تقول إسماعيل إن عائلتها سارعت بالاتصال بالأقارب والأصدقاء في محاولة لمعرفة ما إذا كانت التهديدات مجرد حرب نفسية تهدف إلى نشر الذعر، على غرار التحليق المتواصل للمسيّرات والطائرات الحربية التي عادت إلى سماء العاصمة خلال الأيام الأخيرة. إلا أن جميع من تحدثوا إليهم نصحوهم بالمغادرة فورًا احتياطًا، مضيفة: «لم نُحضّر حتى حقيبة واحدة، كنا فقط نريد الخروج بسرعة من الضاحية، لأن كل ما كنا نعلمه هو أن القنابل قد تتساقط في أي لحظة».
غادرت إسماعيل مع زوجها وشقيقتها إلى منطقة الطيونة، التي تضم عشرات الخيام التي تؤوي عائلات نازحة منذ اندلاع الحرب في 2 مارس الماضي. وقضى الثلاثة الليل داخل السيارة. «لم نجرؤ على العودة»، توضح إسماعيل.
أما ليال بسام، وهي من سكان الضاحية كذلك، فلم تكن عادت إلى منزلها إلا قبل أسبوع واحد، بعدما أمضت معظم مدة الحرب لدى أقاربها في مدينة خلدة الساحلية. تقول لـ«مدى مصر»: «لم نكد نفرغ أمتعتنا حتى اضطررنا إلى حزمها من جديد والمغادرة»، مضيفة: « بصراحة، ما يحدث لنا لا يُمكن تصوره».
كانت بسام رجعت إلى منزلها في الضاحية بعدما بدا أن الحياة تعود تدريجيًا إلى طبيعتها، إذ أعادت المتاجر فتح أبوابها، وازدحمت المطاعم من جديد، وعاد عدد كبير من جيرانها وأصدقائها.
كما أحيت التقارير الإعلامية عن تقدم المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران الآمال في إمكانية أن يتضمن أي اتفاق إقليمي أوسع إنهاء العدوان الإسرائيلي على لبنان، وهو المسار الذي أيّده الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم. ومع إشارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الأحد الماضي، إلى إمكانية إعلان اتفاق، بدت الأمور واعدة بانفراج قريب.
لكن بحلول الأمس، بدأت أجواء التفاؤل تتبدد مع ورود تقارير تفيد بأن المفاوضات تواجه عقبات.
تقول بسام بعد مغادرتها منزلها مساء أمس للإقامة لدى أقاربها خلال الأيام المقبلة: «كنا نتوقع إلى حد ما أننا قد نضطر للمغادرة في نهاية المطاف. ولكننا كنا نأمل فقط أن نمضي وقتًا أطول قليلًا في بيتنا».
أعادت المخاوف إلى أذهان الكثيرين مشاهد النزوح الجماعي في العام الماضي عشية عيد الأضحى، حين أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء في الضاحية الجنوبية. لذلك ترجح إسماعيل «أنهم يفعلون ذلك عن قصد. تلك ليست المرة الأولى».
ومع عودة تهديدات الغارات الجوية إلى بيروت، يعود شبح النزوح وما يرافقه من أعباء وتكاليف.
رنا محسن لم تكن تريد الرحيل، لكنها اضطرت لنقل والدتها المسنّة من منزلهما في الشياح لتقيم لدى شقيقتها في حازمية. وتتساءل في حديثها لـ«مدى مصر»: «ما الجدوى؟ موجة نزوح أخرى؟ ولأي سبب؟ أفضل أن أموت في بيتي». زجاج بيت محسن تحطم سابقًا خلال الحرب، وباتت عمليات الإصلاح المتكررة مرهقة ماديًا. إذ تضيف: «تعبنا من ترميم منازلنا فقط لتُدمر من جديد. من أين لنا أن نأتي بكل هذه الأموال؟ كما أن الإيجار خارج الضاحية مكلف جدًا».
النزوح مجددًا من الضاحية يعني، بالنسبة لعائلة إسماعيل، عودة الأعباء المالية التي كانت بدأت تتراجع قليلًا مؤخرًا. فبعد إعلان وقف إطلاق النار في 17 أبريل الماضي، عادت العائلة إلى منزلها المستأجر، ما خفف من وطأة الضغوط المادية التي فرضتها الحرب، إذ كانت تتحمل سابقًا تكلفة الإقامة في منزل النزوح إلى جانب إيجار منزلها في الضاحية. وتقول: «كنت أدفع نحو ألف دولار إيجارًا وأنا نازحة. أردت فقط العودة إلى روتيني الطبيعي -العمل، والعائلة، والجيران، وبيتي».
لكنها اليوم لا تعرف ما ينتظرها بعد أن قضت ليلتها على الطريق مع عائلتها. تضيف: ««لا أريد أن أخوض مجددًا عملية البحث عن منزل. من الصعب جدًا، بل شبه مستحيل، إيجاد مكان بإيجار معقول. بصراحة لا أعرف ماذا أفعل».
وتستمر حالة عدم الاستقرار التي لم تغب منذ وقف إطلاق النار في أبريل الماضي عن كثير من نازحي قرى الجنوب، الذين ظلّت عودتهم إلى منازلهم مستحيلة مع استمرار القتال قرب بيوتهم.
خالد حج، من بلدة حولا قرب الحدود، يقول إنه يقيم منذ بداية الحرب في ملجأ داخل مدرسة في حي سليم سلام في بيروت، مشيرًا إلى أن معظم الباقين في المدارس هم من قرى جنوبية تظل العودة إليها شديدة الخطورة حتى ولو بشكل مؤقت، مضيفًا: «هناك تحذيرات شبه يومية تشمل حتى القرى التي ليست على الخط الحدودي مباشرة. من سيخاطر؟ لا أحد».
وبينما تراوح محادثات وقف إطلاق النار والسلام الإقليمي مكانها دون أي تقدم ملموس، تستعد العائلات لاستقبال عيد الأضحى دون إجابات واضحة. «كل ما يمكننا فعله هو الانتظار. إنها مرحلة شديدة الصعوبة. الله يعيننا»، يقول حج.
The post أهالي الضاحية الجنوبية ينزحون مجددًا قبيل العيد بعد تهديد نتنياهو بتكثيف الضربات first appeared on Mada Masr.
المصدر: مدى مصر (عربي)