أوروبا تواجه ثالث أزمة طاقة خلال 4 سنوات
تواجه أوروبا حالياً أزمة الطاقة الثالثة لها في غضون أربع سنوات، وذلك على وقع توترات واضطرابات جيوسياسية عالمية شبه مستمرة.
وقال تقرير نشره موقع “أويل برايس” المتخصص، واطلعت عليه “العربية Business”، إنه خلال الأشهر والسنوات الأخيرة برز بوضوح شديد مدى الاعتماد المفرط للقارة على واردات الوقود الأحفوري الأجنبي، في وقت كافح فيه الاتحاد الأوروبي لالتقاط أنفاسه وتحقيق الاستقرار في الأسواق خلال فترات زمنية قصيرة للغاية تفصل بين صدمات أسعار النفط العالمية.
وعندما غزت روسيا أوكرانيا في فبراير 2022، كانت أوروبا بأسرها تعتمد على المنتجين الروس في توفير 40% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي. وقد أدى ذلك إلى إدخال الأسواق الأوروبية في حالة من الاضطراب، حيث واجه الاتحاد الأوروبي صعوبات في فرض عقوبات على صادرات الطاقة الروسية والحفاظ عليها، مما أشعل فتيل صراع مكلف ومُنهك بين بروكسل والكرملين.
ويقول تقرير “أويل برايس” إن أوروبا لم تتعافَ تماماً من ذلك الاضطراب؛ إذ تعرضت منذ ذلك الحين لضربات متتالية جراء الصراعات التي عطلت الملاحة في البحر الأحمر خلال عامي 2023 و2024، والآن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل فيما يتعلق بإيران. وفضلاً عن هذه الهزات الجيوسياسية، تُعد أوروبا حالياً القارة التي تشهد أسرع معدلات ارتفاع في درجات الحرارة عالمياً، مما تسبب في أزمة طاقة غير مسبوقة مرتبطة بالمناخ في المنطقة.
وفي تعليق نُقل مؤخراً عبر هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) رداً على اضطرابات السوق الناجمة عن إغلاق إيران لمضيق هرمز قال دبلوماسي أوروبي يشعر بإحباط شديد: “لقد تعهدنا بأن نتعلم من الدروس، ووعدنا بأن تتغير الأمور، ولكن ها نحن ذا”.
وتابع المصدر قائلاً: “بدلاً من التركيز على خطط طويلة الأجل تشتد الحاجة إليها -تتعلق بكيفية جعل أوروبا أكثر قدرة على المنافسة في هذا العالم الذي يزداد تقلباً- نجد رؤساء الوزراء والرؤساء الأوروبيين في حالة ذعر الآن بسبب أسعار الطاقة، وقلقين من غضب الناخبين، ويسعون جاهدين لإيجاد حلول قصيرة الأجل.
تماماً كما حدث في الأزمة التي تلت الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا. صراع مختلف، لكن الانقسامات الأوروبية هي نفسها، والمعضلات المتعلقة بالطاقة هي ذاتها. لا يمكننا الاستمرار في الدوران في هذه الحلقة المفرغة؛ فلا بد من حدوث تغيير جذري”.
ويقول الدبلوماسي الأوروبي إنه إذا لم تتعلم أوروبا من أخطائها السابقة، فقد تكون بانتظارها أزمات أكثر كارثية بكثير، تلوح في الأفق عند منعطف النهر الذي ترتفع حرارته بسرعة متزايدة.
ويحذر تقرير جديد صادر عن مجلة “ناشيونال إنترست” (The National Interest) من أن كارثة الطاقة القادمة في أوروبا لن تنجم عن صراع عالمي أو ضغوط مناخية، بل عن ظاهرة “ذروة النفط”.
وبحسب التقرير فقد أحرزت أوروبا تقدماً كبيراً في التخلص من اعتمادها الخطير على واردات الوقود الأحفوري الروسي على مدى السنوات الأربع الماضية، إلا أنه – ورغم أن الكرملين لم يعد يمتلك نفس أوراق الضغط على الاتحاد الأوروبي – لا يزال التكتل يعتمد بشكل يثير القلق على النفط الأجنبي من مصادر متنوعة.
ووفقاً للأرقام الرسمية الصادرة عن المجلس الأوروبي، استورد الاتحاد الأوروبي 435 مليون طن من النفط الخام في عام 2025 وحده، بتكلفة تجاوزت 212 مليار يورو.
وتحذر “ناشيونال إنترست” من أنه إذا لم يسارع الاتحاد الأوروبي إلى التحول بعيداً عن واردات الوقود الأحفوري والتوجه نحو تطوير مصادر طاقة نظيفة محلية، فقد يجد نفسه في موقف حرج وغير مستعد لمواجهة التراجع النهائي في إنتاج النفط. والواقع أن العديد من الدول الموردة الرئيسية للتكتل بدأت بالفعل تشهد تراجعاً في صادراتها بسبب تقادم الآبار ومحدودية الموارد، وستكون النتيجة أزمة أكثر خفاءً وصعوبة في الرصد، إلى أن تصبح واقعاً لا يمكن تجاهله.
ويشير التقرير إلى أنه “على عكس الحروب أو العقوبات، لا يتسبب التراجع النهائي في صدمة فورية للإمدادات؛ بل يؤدي بدلاً من ذلك إلى خفض تدريجي لكميات النفط المتاحة للتصدير”. ويضيف: “مع تجاوز المزيد من الدول المصدرة لذروة إنتاجها، سيقل عدد المنتجين القادرين على زيادة الإنتاج عند اشتداد ضغوط السوق أو حدوث اضطرابات في الإمدادات. وبالنسبة لمنطقة تعتمد على الاستيراد مثل الاتحاد الأوروبي، فإن هذا يعني أن مجرد تنويع المصادر قد يصبح أمراً يزداد صعوبة بمرور الوقت”.
وعلاوة على ذلك، قد تتجاوز التداعيات المحتملة للأزمة القادمة حدود اضطراب الأسواق ومعضلة “فقر الطاقة”؛ فبدون تحقيق استقلالية في مجال الطاقة، قد تصبح القارة عرضة بشدة للعدوان الخارجي. إذ يمكن أن يشكل انعدام أمن الطاقة تهديداً لأمن أوروبا وحريتها يفوق بكثير خطر أي سلاح.
المصدر: العربية – اقتصاد

