إرث شاريت: الحرب من أجل السلام!
Backملخص الخبر
- موشيه شاريت حذّر من تحويل القوة العسكرية إلى فلسفة تحكم الدولة.
- إسرائيل تحققت تفوقا عسكريا كبيرا بعد 7 أكتوبر، لكن الاختبار الحقيقي هو استخدام الانتصار لتحقيق السلام.
- الانسحاب من سوريا ولبنان مع ترتيبات أمنية دولية هو مفتاح تحويل الانتصار العسكري إلى انتصار سياسي.
- السلام يتطلب التعاون بين الدول في ملفات مشتركة، لا تطبيع شعبي.
ملخص كتبه الذكاء الاصطناعي من نص الخبر في مصدره.
كان موشيه شاريت يعرف، أكثر من كثيرين في جيله، أن إسرائيل لا تستطيع أن تعيش بلا قوة. لكنه كان يخشى أن تتحول القوة من وسيلة لحماية الدولة إلى فلسفة تحكم الدولة.
كتب وزير الخارجية التاريخي وثاني رؤساء الحكومة الإسرائيلية في مذكراته، في 2 ديسمبر/كانون الأول 1956، بعد حرب سيناء، أن العمليات العسكرية قد تكون ضرورية للأمن، لكنها «لن تقربنا من السلام، بل ستبعدنا عنه أكثر»، وأن السلام «سيتحقق فقط بالوسائل السلمية». ثم أضاف أن هذه الرؤية ليست سذاجة ولا مثالية أخلاقية، بل «الرؤية العملية الرصينة للأمور كما هي».
وفي موضع آخر، لخّص صراعه السياسي مع الطبقة المؤسسة للدولة الإسرائيلية بعبارة أكثر كثافة: «الاختيار بين دولة سلب ودولة قانون».
بعد 7 أكتوبر، حققت إسرائيل تفوقاً عسكرياً هائلاً في أكثر من جبهة. أضعفت حماس، وضربت حزب الله، وخاضت مواجهة مباشرة مع إيران. أياً يكن التقييم السياسي لتلك الحروب، فإن ميزان القوة العسكري في المنطقة تغير بصورة كبيرة لصالحها. لكن هنا يبدأ الاختبار الحقيقي: ماذا يفعل المنتصر بانتصاره؟.
لبنان يقدم نموذجاً قريباً. في 7 أيار 2008، امتلك حزب الله فائضاً من القوة العسكرية مكّنه من فرض سيطرته على أجزاء من بيروت ومناطق أخرى. لكنه لم يستطع تحويل تلك القوة إلى انتصار سياسي نهائي. بقي أقوى من خصومه عسكرياً، لكنه لم يكسب أبدا ولاء أغلب اللبنانيين، وتجذرت العداوة بينه وبين العرب والعالم. ذلك هو فخ فائض القوة. وإسرائيل معرضة اليوم لفخ مشابه، ولكن على مستوى إقليمي أكبر.
يمكن لإسرائيل أن تهزم خصومها عسكرياً، لكنها إذا بقيت في سوريا ولبنان من دون أفق سياسي واضح، فإن الانتصار قد يبدأ بإنتاج خصوم جدد وكُثُر، خصوصاً مع استمرار تجاهل القضية الفلسطينية.
كل يوم إضافي من المماطلة في الانسحاب من سوريا ولبنان يمكن أن يحول السوري أو اللبناني الذي ربما كان ممتناً لسحق حزب الله، إلى عدو جديد. وهنا تصبح المفارقة: قد تهزم إسرائيل حماس وحزب الله، ثم تساعد سياسياً، من حيث لا تريد، على ولادة نسخ جديدة وكثيرة منهما.
لذلك فإن الانتصار السياسي يقتضي شيئاً يبدو متناقضاً للوهلة الأولى: الانسحاب من سوريا ولبنان، لا بعد سنوات، بل فور تثبيت ترتيبات أمنية قابلة للتحقق برعاية عربية ودولية وضمانة أميركية. والانسحاب هنا ليس هزيمة، بل إعلان أن الحرب انتهت وأن القوة العسكرية أدت وظيفتها.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يعني الانسحاب ترك الساحة للميليشيات التابعة لإيران. العكس هو المطلوب: إسرائيل تنسحب من لبنان وسوريا، والدول العربية والمجتمع الدولي يساعدان اللبنانيين والسوريين على استعادة دولتيهما لاحتكار السلاح وقراري السلم والحرب، وبسط سلطتهما على كامل أراضيهما. وكل ذلك وفق معاهدة دولية معلنة ومفصلة ومكتوبة.
عندها يصبح الصراع على شكل الدولة، لا على وجود إسرائيل؛ ويصبح العدو هو الميليشيا التي تنازع الدولة سيادتها، لا الدولة الإسرائيلية نفسها. وهنا يمكن أن تبدأ المرحلة الأصعب والأذكى.
ليس مطلوباً أن يصبح السوري واللبناني والإسرائيلي أصدقاء غداً صباحاً. وليس واقعياً أن تتحول مجتمعات خرجت من حرب طويلة إلى مجتمعات متصالحة بمجرد توقيع اتفاق.
إن تصاعد معاداة السامية في العالم – بسبب السياسة الإسرائيلية المتعجرفة والمتطرفة – يجعل حماية اليهود مسألة أمنية وسياسية حقيقية. فإذا كان اليهود يحتاجون إلى حماية في أجزاء من أوروبا، فكيف يمكن تجاهل حساسية وجودهم في شرق أوسط خرج لتوه من حرب كبرى؟ لا يمكن بناء سلام مستدام على افتراض أن الكراهية ستختفي بمرسوم، بعد بحور من الدماء.
لذلك فإن الطريق إلى السلام لا يبدأ بمزيد من الحرب، ولا بمطالبة الناس بأن يحبوا بعضهم. يبدأ من منعهم من قتل بعضهم. ثم يأتي التعاون في إطار المصالح، ثم، ربما، المصالحة. يبدأ بإجراءات سلمية وحقيقية، كما قال شاريت.
ليس من الواقعية ولا من المنطق، في منطقة ما زالت تعاني من جراح الحرب والكراهية، مطالبة اللبنانيين والسوريين بالتطبيع الشعبي مع إسرائيل. لكن هذا لا يمنع الدول من بناء قدر محدود من التعاون الضروري والفعّال في الملفات التي تفرضها المصالح المشتركة، ولا تحتاج إلى تقارب شعبي أو إلى تواصل بشري كثيف أو كامل: الأمن والحدود، ومكافحة المخدرات، والإنقاذ والكوارث، والبضائع، وفتح المجال الجوي. تطبيع بين الدول، لا بين الشعوب؛ تطبيع تقني محدود، لا يطلب من اللبناني أن يحب الإسرائيلي، ولا من الإسرائيلي أن يحب اللبناني، بل يطلب منهما فقط أن يدركا أن هناك مصالح محددة يمكن أن يكون التعاون فيها أقل كلفة وأكثر فائدة من الحرب، وربما تكون مقدمة لمستقبل إيجابي ومختلف. ويمكن تسمية هذا النوع من التطبيع: «التعاون غير البشري»؛ مساحة ضيقة، لكنها ضرورية وفعّالة، تبدأ منها الدول حين لا تكون الشعوب مستعدة بعدُ للتصالح.
إن النظرة التاريخية في إسرائيل إلى شاريت سلبية، في جانب منها، بسبب الانتشاء بفائض القوة؛ لكن هذا الفائض لم يمنح إسرائيل الأمن الدائم، ولم يفتح لها أبواب التطبيع مع الدول التي دخلت في مسار السلام قبل عقود. كما أن استمرار تجاهل القضية الفلسطينية لم ينهِ الصراع، بل أبقى أحد مصادر العنف والدماء والكراهية والتطرف مفتوحاً. ولعل الإسرائيليين بحاجة إلى تجربة الرهان على السلام بصدق. وهنا يعود شاريت إلى الواجهة.
لم يقل شاريت إن إسرائيل يجب أن تتخلى عن القوة. كان يقول إن القوة يجب أن تبقى في خدمة الدولة، لا أن تتحول إلى بديل عن السياسة: «يد تقبض على السيف، ويد ممدودة للسلام». بعد 7 أكتوبر، أثبتت إسرائيل أن لديها اليد التي تقبض على السيف. أما الاختبار الحقيقي الآن فهو اليد الأخرى: أن تنسحب عندما تستطيع، وأن تفاوض عندما تستطيع، وأن تجعل من انتصارها العسكري بداية لنظام إقليمي جديد لا يحتاج إلى الحرب كي يستمر.
لقد قدم العرب بالفعل، في قمة بيروت عام 2002، مبادرة واضحة: الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة منذ 1967، وإقامة دولة فلسطينية، وتسوية قضية اللاجئين، مقابل إنهاء النزاع وإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل. وقد نصت المبادرة صراحة على أن السلام خيار استراتيجي عربي، وأن الحل العسكري لا يحقق السلام أو الأمن. قد تختلف المواقف من تفاصيل المبادرة وشروطها، لكن وجودها التاريخي يثبت أن عرض السلام العربي لم يكن غائباً. أما الإسرائيليون فقالوا: «المشكلة أنه لا يوجد سادات آخر». لكن بعد كل هذه العقود، ربما كانت المشكلة في مكان آخر: لا يوجد شاريت آخر، ولا إسحاق رابين آخر؛ رابين الذي اغتاله يهودي إسرائيلي، لا عربي.
قد يبدو عنوان «الحرب من أجل السلام» مناقضاً تماماً لإرث شاريت، الذي حذّر من أن «السلام لا يتحقق بالحرب». لكن التناقض هنا ظاهري فقط. شاريت كان يحذّر من تحويل الحرب إلى طريق تلقائي للسلام؛ أما المقصود هنا فهو أن الحرب، إذا فُرضت، لا يصبح لها معنى سياسي إلا إذا كانت نهايتها السلام. ليست الحرب هي التي تصنع السلام، بل ما يفعله المنتصر بانتصاره هو الذي يدشن طريق السلم او ينسفه.
الحرب من أجل الحرب لا تنتج إلا دورة جديدة من الحرب. أما الحرب من أجل السلام، فمعناها أن يكون الهدف النهائي من الانتصار هو الوصول إلى اليوم الذي تصبح فيه القوة أقل ضرورة. ذلك هو الانتصار الذي يبقى. والمفارقة أن هذا الانتصار، إن تحقق، لن يكون إسرائيلياً وحده ولا عربياً وحده؛ سيكون انتصاراً مشتركاً يجني ثماره العرب والإسرائيليون معاً.
نقلاً عن “لبنان الكبير“
المصدر: العربية – سياسة