إسرائيل في مواجهة إسرائيل
ازدياد مساحة اليمين الإسرائيلي المتطرف يضع نتنياهو في مواجهة شارعه، والذي بات يرى في استقلال القرار السياسي الإسرائيلي صورة مزيفة وأن إسرائيل قادرة دوماً على فعل ما تريد وسوف تحظى لاحقاً بدعم أميركي. كل ذلك يتلاشى أمام ما بات متداولاً في وسائل الإعلام أن نتنياهو “صاحب القرار السياسي” يتعرض للتوبيخ من الرئيس الأميركي بشكل متكرر، وكما وصف يائير لابيد ذات المشهد في حزيران /يونيو الجاري بقوله “دولة إسرائيل تابعة كلياً” وهو ما حاول نتنياهو بالأمس تبريره لشبكة سي إن بي سي الأميركية: “أحياناً كما هو الحال في أفضل العائلات تحدث بيننا بعض الخلافات..”.
هي ليست بعض الخلافات، فحكومة اليمين المتطرف نجحت بقيادة نتنياهو في إخراج إسرائيل من دائرة المظلومية التي كانت تدّعيها إلى منصة الاتهام وهذا لم يحدث من قبل، فإسرائيل تغادر منصة السياسة على المستوى الدولي لتسقط نحو عزلة داخلية مضطربة لا يسعى إليها حتى من في عقله تلف. بالتالي تأتي نجاحات نتنياهو في تطوير صناعة أقصى اليمين مقترنة بخسارته الشخصية، وخسارة إسرائيل ذاتها بما فيها ما استحدثه نتنياهو خلال سنواته المتتابعة. والسبب أن الاعتدال السياسي في البلدان يصنع حالة من التوافق المجتمعي في الشارع بينما صناعة التطرف بمثابة قنبلة موقوتة ينتج عنها ما هو أشد فتكاً، لذلك تتحدث إسرائيل مراراً عن إمكانية حرب داخلية -مع أنها مستبعدة تماماً- غير أنها فرضية معروفة في عالم السياسة إذ يمكنك صناعة وسط سياسي يميل للتطرف لكن يستحيل عليك السيطرة عليه لاحقاً لأن بكتيريا التطرف قابلة للتوالد وهو ما زاد في المقابل من هيكل المعروض الحزبي والانتخابي الإسرائيلي، تماما على شاكلة الأندية الرياضية التي تهبط للدور الثالث والرابع أو تتحول إلى أندية محلية تبحث عن جمهور مجاني من أجل التصفيق.
من الطبيعي أن يصل التطرف بالمستوى السياسي إلى حالة من العجز، لأن المرونة السياسية والتطرف لا يجتمعان، ما يعني أن أي كيانية تذهب إلى هذا المنهج، هي عملياً تجد نفسها فريسة البديل الأيديولوجي لعل الأيديولوجيا تخدم السياسة، وحتى في زحام الأيديولوجيا هناك خبراء يجيدون إدارة لعبة الانغلاق الداخلي بما يرونه أفضل بالنسبة لهم كعامل يعيد ترتيب البنية الداخلية، لأن الناتج السياسي الحاكم والمتوفر، يخدمهم في الواقع الحالي وبالتالي عليهم استثماره، ومن هنا تأتي شراكة نتنياهو مع الأحزاب الدينية والتي منحته نفوذاً انتخابياً واقتنصت منه مقايضة مشروطة وابتزازا جعلهم يذهبون إلى الاستفادة قدر الممكن من عامل الوقت والسلطة الشريكة.
في حالة تحالفات نتنياهو، كان عامل الأيديولوجيا يصب في خدمة الأحزاب الدينية من جانب والقومية من جانب آخر دون صعود لحزبه الأساس “الليكود” وبالتالي رحلت السياسة على المستوى الداخلي بالنشاط نحو الجانبين، فالاستيطان من جانب ثم نفوذ الأحزاب الدينية السلطوي، وهنا تبدأ الفكرة بالتساقط ما بين يهودية الدولة وعلمانية الدولة، لكن هذه المعادلة لن تصبح مرئية بشكل واضح إلا عندما تتسلل الفكرة لتكسر الحواجز السياسية المحلية وتبدأ بالانطلاق نحو الخارج، وهي فلسفة الحروب الخارجية، لأن ازدياد مساحة التطرف في الداخل عندما تتحول إلى ترجمة عملية، تصبح السياسة الخارجية هي الهدف وتصبح الأزمات الداخلية أمام اختبار الصعود، بالتالي ما جاء بناء تخادم حميمي مع حماس خلال العقدين الماضيين باعتبار أن الأيديولوجيا المعلنة لها كانت أداة حشد وصعود لليمين الإسرائيلي المتطرف والصاعد وشريكها في رفض العملية السياسية، غير أن هذا التخادم تحول إلى عبء داخلي يلاحق نتنياهو بتهمة الإهمال والتقصير، وعبء خارجي بعد ثبوت ارتكاب جرائم بحق الإنسانية، وبالتالي لم تعد شراكة الأيديولوجيا تخدمه في المشهد السياسي الخارجي ولا الانتخابي في الداخل، لينتقل إلى فلسفة الحروب المفتوحة، وهي التي فرضت في الداخل الإسرائيلي واقعاً سياسياً استثنائياً على مدار السنوات الماضية، لكنها حروب لم يقبل بها العالم وكانت عملية استمرار للسقوط.
صحيح أن أجل الانتخابات اقترب، وأن مصير الحكومة الحالية في مأزق، لكن إسرائيل كلها في مأزق نتيجة ضيق الفكرة التي رفعت مستوى التطرف، ورفعت معها أسوار الانقسام في الداخل، والعزلة في الخارج، فلا خرائط الشرق الأوسط ستتغير وفق منظور اليمين المتطرف، ولا ما استولت عليه من أراض في الضفة وغزة أو سوريا ولبنان سيصبح واقعاً أبدياً، ولا أصبحت إسرائيل تتمتع بالقوة المطلقة في الشرق، وهي بالضبط أزمة اليوم التالي في الشارع الإسرائيلي أمام ارتفاع منسوب التطرف والذي يتحد وراء فكرة الحرب، ويختنق في ميدان السياسة.
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)