إيران.. الغضب الاقتصادي لا يكفي
من بين الأسئلة المطروحة في ساحات التفكير الاستراتيجيّ، ذاك المتعلّق بتوَجّهات إدارة الرئيس ترمب الأخيرة جهة إيران، بهدف تغيير سلوكها العدائيّ على كافّة الأصعدة.
تطلق الإدارةُ الأميركيّة على الحملة الجديدة، والتي تبدو كخيارٍ– ولو مؤَقَّتًا– عن العمليّات العسكريّة، اسم “عمليّة الغضب الاقتصاديّ”، والتي يقودها وزير الخارجية الأميركيّ “سكوت بيسنت”.
حديث العقوبات في واقع الأمر، ليس جديدًا بالنسبة للإيرانِيّين، فقد فرضت الولايات المُتّحدة والأمم المتّحدة والاتّحاد الأوروبيّ، سلسلةً من العقوبات على إيران، وطَبَّقت حظرًا تجاريًّا عليها إلى جانب تجميد أصول لها منذ أواخر السبعينات بسبب برنامجها النوويّ، وانتهاكات حقوق الإنسان وسط شعبها، ودعمها ميليشيات تهدد الاستقرار في عدد من دول المنطقة.
هل يمكن أن تنجح خطّة الحصار الاقتصاديّ فيما أخفقت فيه العمليّاتُ العسكريّة عبر خمسة أشهر خلَتْ؟
يحتاج الجواب إلى مراجعة الكثير من الحقائق، وفي مقدّمها القول بأنّ العقوبات الاقتصاديّة يمكنها أن تُلحق ضررًا كبيرًا وموجعًا لإيران عبر تقليص مواردها، وتضييق هامش حركتها.
لكنّها في ضوء التجاذبات الدولية، والتنافس على رقعة شطرنج إداركيّة عالميّة، لا ندفع إيران لجهة السقوط كنظام، لا سِيَّما أنّ هناك أطرافًا دولِيّة قطبيّة مثل روسيا والصين، تراهن بقوّة على الحضور الإيرانيّ في المنطقة، وإن بدواعٍ براغماتِيّة تتمثّل في الحصول على النفط والغاز الإيرانِيّين، لا من منطلقات إيديولوجيّة أو دوغمائيّة تؤمن بها القبضة الحاكمة في إيران.
الأمر الآخر الذي ينبغي النظر إليه بعمق ورَوِيّة، يتمثّل في أنّ النظامَ الإيرانيّ قادرٌ كما عادته، على تحويل “مطرقة الغضب الاقتصاديّ”، إلى سردِيّة سياسِيّة عنوانها، مقاومة الإمبريالية الأميركِيّة، ومواجهة الاستكبار الغربيّ، إلى آخر المنظومة الدعائيّة الملالِيّة التقليدِيّة.
ليس سرًّا القول إنّ الإيرانِيّين قَدَّروا مبكّرًا مآلات مشهد الصدام مع الولايات المتّحدة، عسكريًّا واقتصاديًّا، ولهذا رسموا خرائط ما يمكن أن نطلق عليه “اقتصاد البقاء”، والذي يعزّز القدرة على الصمود، وبقاء النظام على قيد الحياة، حتّى ولو من غير نمو أو ازدهار، فقط يكفي زمان يسير لحين مغادرة سَيّد البيت الأبيض الحاليّ موقعه، والرهان على رئيسٍ ديمقراطِيّ مغاير في توجّهات سياساته الخارجيّة.
قبل أيّام، نشرت صحيفة الول ستريت جورنال، ذائعة الصيت تحقيقًا جاء تحت عنوان “خطّة إيران السرّيّة لتصعيد الحرب مع الولايات المتّحدة”.
الخطّة تقطع بأنّ الصفعات الاقتصادِيّة المرتقبة، لن تكون فاعلةً أو ناجزة في الضغط على طهران، ما لن يفتح الطريق أمام الاتّفاق أو الاستسلام الذي يرغبه الرئيس ترمب.
الصحيفة الأميركِيّة الشهيرة تتيح لقارئها معلومات عن قيام المتشَدِّدين في القيادة الإيرانيّة بعقد اجتماع سِرّيٍّ بعد التوصّل إلى مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، قرّروا خلاله الاستعداد للحرب التالية مع الولايات المتّحدة وإسرائيل، معتبرين أنّ مذكّرة التفاهم ليست إلّا ملهاةً أميركيّةً لتسويف الوقت، وبهدف إعادة تهيئة وتعبئة للعتاد والعدّة وللأفراد الذين بدؤوا في التململ من رتابة وضع حالة “اللاسلم واللاحرب”.
أكثر من ذلك يشير التقرير إلى أنّ القيادة الإيرانِيّة العليا ممثَّلةً في المرشد الجديد مجتبي خامنئي، قد منحت المزيد من السلطات للحرس الثوريّ للتحَكُّم بالجيش الإيرانيّ، عطفًا على تعيينات جديدة لعددٍ من المحاربين القدامى من زمن الحرب العراقِيّة–الإيرانِيّة في المواقع القيادِيّة وتوسيع عملِيّات محاربة التجَسُّس في الداخل.
حكومة الملالي في واقع الأمر غير مكترثة لعقوبات واشنطن الاقتصادِيّة، القائمة منها والقادمة على حَدٍّ سواء، وبخاصّة أنّها نسجت عبر خمسة عقود شبكة علاقات تجاريّة برًّا وبحرًا وجوًّا مع جيرانها، أمّا الأخطر الذي يتجَلَّى في الأفق، يومًا تلو الآخر، فيتمَثَّل في جعلها مضيق هرمز خيارًا اقتصاديًّا معاكسًا… ماذا يعني ذلك؟
بعد مذكّرة التفاهم، بدأت إيران مهاجمة السفن في مضيق هرمز، وتفعيل دور الميليشيات الموالية لها في العراق واليمن، بهدف زيادة أكلاف واشنطن في المواجهة، وتأليب دافع الضرائب الأميركيّة على الرئيس ترمب، وما يمكن أن يصيب حزبه من إخفاقات في انتخابات التجديد النصفيّ للكونجرس في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.
واشنطن تحاول استخدام الاقتصاد ضدَّ طهران، والأخيرة تُسَخِّر الجغرافيا كأداةٍ سياسِيّة وعسكرِيّة ضدَّ الاقتصاد العالمِيّ برُمَّته وليس الأميركِيّ فحسب.
تدرك إيران أنّ مضيق هرمز ليس مجرد ممرٍّ مائيّ اعتياديٍّ، بل أحد الشرايين الرئيسيّة للطاقة العالمِيّة، ولهذا فإنّ تعطيل حركة الملاحة فيه يرفع تكلفة المواجهة على الجميع وليس إيران وحدها.
لا تغيب الحقائقُ المتقدّمة عن أعين صانع القرار الأميركيّ، ذاك الذي تزخمه أعلى مراكز الأبحاث في الداخل الأميركي، وعلى رأسها مجلس العلاقات الخارجِيّة في نيويوك، والذي يمثّل العقلَ السياسيّ الواعيَ للبيت الأبيض وللإدارات الأميركيّة المتعاقبة منذ تأسيسه عام 1921، ومركز “راند” قلب البنتاغون النابض في سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا، والذي خرج للوجود عام 1948.
هل هناك من قَدَّم نصائح لإدارة الرئيس ترمب حول جدوى العقوبات الاقتصادِيّة من عدمها؟
غالب الظنّ أنّ هناك قراءاتٍ أخرى لخيارات أشَدّ هولًا، وهذا ما أشارت إليه النائبةُ الجمهورِيّة السابقة/ مارجوري تايلور غرين، حين أشارت إلى أنّ الإدارة الأميركيّة الحالِيّة قد ناقشت في اجتماعاتٍ سرّيّة، إمكانيّةَ استخدامِ أسلحةٍ نووِيّة ضدَّ إيران.
هنا ليس شرطًا أن تكون فكرةُ إستخدام السلاح النوويّ حقيقة بالمطلق، لكن لا يخلو الأمر من طرح استخباراتيّ مثير يستدعي أن نعرّج فيه على اسمٍ يمثّل قيمةً مهمّةً في الداخل الأميركيّ، ريتشارد هاس، الرئيس الفخريّ الآن لمجلس العلاقات الخارجِيّة، والمنظر الشهير للسياسة الخارجِيّة الأميركِيّة.
هاس من أهمّ مَن شَخَّصوا الحالةَ الإيرانِيّة بقوّةٍ ودقَّةٍ في السنوات الفائتة، وهو الذي رسم خارطة طريق لهنري كيسنجر عام 1973، حال أول زيارة له للقاهرة لفَضِّ اشتباك حرب أكتوبر.
يرى هاس أنّه ما من تهديد يخيف الإيرانِيّين إلى حَدِّ الرعب، مثل التهديد بفشل الثورة، وسَحْق ومَحْق حضورِها، ونهاية صلاحِيّة أدبِيَّاتها، وليس العقوبات أو المعارك، فهذه تُغَذِّيها وتُقَوِّيها بل تُجَدِّد شبابَها.
هنا يبدو واضحًا أنَّ هناك مَن يستحضر التاريخ، وكيف أنّه لم يكن للولايات المتّحدة الأميركيّة أن تنهيَ الحربَ العالمِيّة، ما لم تستخدم القنابل النووِيّة في هيروشيما ونجازاكي.
ويبقى السؤال: هل ستصل الرسالة إلى الإيرانِيّين؟
في كلِّ الأحوال، يبقى مجرّد التهديد وحده كفيلًا بالدفع في طريق مراجعة المواقف من جانب الملالي، وليس دعوة جِدّيّة لاستخدام أسلحة الدمار الشامل.
غير أنّه وكما قال المفكّرُ والروائيُّ الفرنسِيّ الشهير أندريه مالرو ذات مَرّة Toujours l’inattendu arrive أو “غير المُتوقَّع يحدث عادةً”.
المصدر: العربية – سياسة





