اقتصاد البقاء مقابل “الإنزال الاقتصادي”.. من يربح الحرب بين واشنطن وطهران؟
تدخل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة مختلفة في طبيعة الأدوات المستخدمة، وربما في تعريف كل طرف لمفهوم الانتصار نفسه. فبعد أشهر احتل فيها التفوق العسكري الأميركي مركز المشهد، يبدو أن مركز الثقل ينتقل تدريجياً من محاولة فرض النتائج بالقوة العسكرية المباشرة إلى محاولة إنتاجها عبر الاقتصاد.
ولا يحتاج الأمر إلى كثير من الاستنتاج، بعدما أعلن الرئيس دونالد ترامب صراحة: “ستكون هذه حرباً اقتصادية وعزلة على نطاق غير مسبوق”، مستخدماً تعبيراً أكثر دلالة حين وصف الإجراءات الجديدة بأنها “يوم إنزال اقتصادي” (Economic D-Day).
ترامب يصعّد ضد إيران.. “حرب اقتصادية” وعقوبات قاسية على داعميها
المفارقة أن الخطاب الإيراني يتحرك في الاتجاه نفسه، وإن انطلق من قراءة معاكسة. فقد قال النائب الأول للرئيس محمد رضا عارف إن “العدو يريد الآن تعويض هزيمته في الجبهة العسكرية من خلال الحرب الاقتصادية”. وهكذا، ورغم الخلاف الكامل بين الطرفين بشأن نتيجة المواجهة العسكرية، ثمة تقاطع لافت في تشخيص المرحلة التالية: الاقتصاد لم يعد مجرد عامل مساعد للحرب، بل أصبح واحداً من ميادينها الرئيسية.
لكن قراءة هذه المواجهة من خلال حجم الاقتصادين، أو عبر مؤشرات التضخم والنمو وسعر الصرف وحدها، تبقى قراءة قاصرة. فلا يوجد أي تناظر اقتصادي بين الولايات المتحدة وإيران، لكن في المقابل لا يوجد تناظر في وظيفة الاقتصاد داخل الاستراتيجية السياسية لكل منهما. وهنا تكمن المعركة الحقيقية: ليس أي الاقتصادين أقوى، فالجواب معروف، وإنما أي الطرفين يستطيع تحويل اقتصاده، وجغرافيته، وشبكاته الدولية، إلى قدرة أطول على تحمل الألم وفرضه على الآخر.
من اقتصاد النمو إلى اقتصاد البقاء
لا يمكن التقليل من حجم الضغط الذي يتعرض له الاقتصاد الإيراني. فتراجع الإيرادات، والحصار، واضطراب التجارة، والتضخم، وتراجع قيمة العملة، كلها عوامل تضغط مباشرة على الدولة والمجتمع. لكن السؤال الاستراتيجي ليس ما إذا كان الاقتصاد الإيراني يتضرر؛ فهذا أمر لا يحتاج إلى إثبات. السؤال الأكثر أهمية هو: متى يتحول الضرر الاقتصادي إلى تغيير في القرار السياسي؟
هنا يصبح من الضروري التمييز بين اقتصاد النمو واقتصاد البقاء.في اقتصاد النمو، تقاس كفاءة الحكومة بمعدلات الاستثمار والتوظيف والنمو والتضخم وتحسن القوة الشرائية ومستوى المعيشة. أما عندما تدخل الدولة في اقتصاد البقاء، فإن وظيفة الاقتصاد نفسها تتغير. لا يصبح المطلوب تحقيق الازدهار، وإنما تأمين الحد الأدنى الذي يسمح للدولة بالاستمرار: تمويل المؤسسات، وتأمين الغذاء والطاقة والسلع الأساسية، والمحافظة على عمل الأجهزة العسكرية والأمنية، ومنع تدهور الوضع المعيشي من التحول إلى أزمة سياسية.
وتصريحات عارف الأخيرة تكشف بوضوح أن القيادة الإيرانية تنظر إلى المسألة من هذه الزاوية. فهو لم يتحدث عن التضخم باعتباره مشكلة اقتصادية فحسب، بل حذر من أن “العدو نشط في الجبهة الاقتصادية والاجتماعية ويسعى إلى خلق حالة من السخط والانهيار الاجتماعي”، وطالب الحكومة بالاستعداد حتى لـ”أسوأ السيناريوهات”.
هذه العبارة تحدد تقريباً نقطة الانكسار التي تخشاها طهران. فالمشكلة بالنسبة إليها ليست أن يكون التضخم مرتفعاً، أو أن يتراجع النمو، بقدر ما هي أن تتحول هذه المؤشرات إلى فقدان للقدرة الاجتماعية على تحمل الحرب. عندها فقط ينتقل الضغط الاقتصادي من تكلفة يمكن إدارتها إلى تهديد لاستقرار النظام نفسه.
ومن هنا يمكن أيضاً قراءة دعوات محمد باقر قاليباف إلى الوحدة، وانتقاداته لبعض السياسات الاقتصادية، وحديثه عن ضرورة معالجة مشكلة البنزين بـ”ذكاء”. هذه ليست ملفات منفصلة تماماً عن الحرب؛ بل يمكن النظر إليها باعتبارها جزءاً من الاستعداد لجبهة داخلية قد تصبح أكثر صعوبة كلما طال أمد الحصار.
وهذا لا يعني أن “اقتصاد البقاء” محصن ضد الانهيار. على العكس، قد تكون موارده محدودة وقدرته على النمو ضعيفة. لكنه يستطيع في بعض الظروف تحمل صدمات أكبر لأن معيار نجاحه انخفض بصورة جذرية: إيران لا تحتاج في هذه المرحلة إلى اقتصاد جيد حتى تعتبر نفسها صامدة؛ تحتاج إلى اقتصاد لا ينهار.
أما الولايات المتحدة فتعمل وفق معادلة مختلفة. قدرتها الاقتصادية على تحمل المواجهة أكبر بلا مقارنة، لكنها أكثر حساسية لبعض التداعيات السياسية للاقتصاد. أسعار النفط والبنزين، والتضخم، والأسواق، وكلفة العمليات والانتشار العسكري، جميعها تمتلك امتداداً انتخابياً وسياسياً، وتكتسب حساسية إضافية مع الاقتراب من انتخابات التجديد النصفي.
ومن هنا يظهر أول أبعاد التأثير الاقتصادي غير المتناظر: الولايات المتحدة أقوى اقتصادياً، لكن القوة الاقتصادية المطلقة لا تحدد وحدها النتيجة؛ فالمعيار الأهم هو مستوى الضرر الذي يستطيع كل نظام سياسي تحمله قبل أن يضطر إلى تعديل أهدافه. فالقدرة على إضعاف اقتصاد الخصم، مثل القدرة على تدمير قدراته العسكرية، لا تعني تلقائياً القدرة على إجباره على الاستسلام أو تحقيق الهدف السياسي للحرب.
من الضغط الأقصى إلى تدويل العزلة
لكن الاستراتيجية الأميركية الجديدة تبدو أكثر طموحاً من مجرد زيادة مقدار الألم الاقتصادي داخل إيران. العبارة الأكثر أهمية في إعلان ترامب الأخير عبر منصة “تروث سوشيال” ربما ليست حديثه عن وضع الاقتصاد الإيراني، وإنما قوله إن “أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو جهاتها الحكومية بتقديم أي نوع من شريان الحياة لإيران، ستواجه هي الأخرى عواقب اقتصادية هائلة”.ثم ذهب إلى تحديد الأدوات المستهدفة بصورة واضحة: “تهريب النفط، وخطوط المقايضة، والتحويلات النقدية، وشركات الصرافة، وتسجيل السفن، والشركات الواجهة؛ كل ذلك يجب أن يتوقف الآن”.
هنا نحن أمام تطور يتجاوز الصيغة التقليدية ل”الضغط الأقصى”. فالهدف لم يعد الاقتصاد الإيراني وحده، وإنما شبكة البقاء الاقتصادي التي بنتها إيران للالتفاف على العقوبات. فقد أمضت طهران سنوات في تطوير مسارات تسمح لها بتصدير النفط، وإجراء عمليات مالية وتجارية خارج النظام التقليدي، والاستفادة من الوسطاء والشركات الواجهة والمقايضة وشبكات الشحن والتسجيل، والمحافظة على علاقاتها الاقتصادية مع الصين وروسيا وغيرها.
ومن منظور اقتصاد البقاء، لا تحتاج طهران إلى إعادة تجارتها إلى مستويات طبيعية؛ يكفيها إبقاء عدد من الشرايين مفتوحة بما يمنع الحصار من التحول إلى خنق كامل. ولذلك تستهدف واشنطن هذه المرة تلك الشرايين نفسها.
ويمكن هنا الحديث عن انتقال من عقوبات على إيران إلى محاولة تدويل العزلة الإيرانية. فإذا كانت الولايات المتحدة لم تستطع، أو لم ترغب، في تدويل الحرب العسكرية بحيث تتحمل الدول الأخرى كلفتها ومخاطرها، فإنها تحاول الآن تدويل الحرب الاقتصادية من خلال جعل استمرار التعامل مع إيران مكلفاً على الأطراف الثالثة.
وهذه نقطة أساسية في فهم عبارة ترامب عن ضرورة وقوف “جميع الحلفاء” إلى جانب الولايات المتحدة. فالنجاح الأميركي لن يقاس فقط بمقدار العقوبات التي تفرضها وزارة الخزانة، وإنما بقدرتها على إقناع أو إجبار الدول والمصارف وشركات النفط والشحن والتأمين على الالتزام بها.
هرمز ومعركة تدويل الكلفة
لكن عدم التناظر في المواجهة لا يعمل لمصلحة واشنطن وحدها. فالولايات المتحدة تمتلك النظام المالي، والأسواق، والعقوبات، وشبكة التحالفات؛ بينما تمتلك إيران أداة مختلفة تماماً: الجغرافيا. ومن هنا تبرز أهمية مضيق هرمز. فالاستراتيجية الأميركية الجديدة يمكن اختصارها برسالة إلى العالم مفادها: ستدفعون ثمناً إذا وفرتم لإيران شريان حياة. أما الرد الإيراني المحتمل فيقوم على معادلة مضادة: ستدفعون أيضاً ثمناً إذا شاركتم في خنق إيران.
وهنا يتحول هرمز من مجرد ساحة عسكرية إلى أداة اقتصادية لتعويض جزء من الاختلال الهائل في ميزان القوة.وقد يكون من أكثر تصريحات محمد رضا عارف دلالة قوله إن إيران ينبغي أن تحافظ على “مكتسبات الحرب الأخيرة، بما في ذلك في مجال إدارة مضيق هرمز”. فإدخال هرمز في خطاب يتناول الحرب الاقتصادية والأسعار والاستعداد للسيناريوهات الصعبة يشير إلى أن طهران لا تنظر إلى المضيق باعتباره ورقة منفصلة عن اقتصاد الحرب.
وهذا يتقاطع أيضاً مع تشدد قاليباف في ربط إعادة فتح هرمز بتنفيذ الالتزامات التي تطالب بها إيران، بما فيها رفع الحصار والعقوبات والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.فالهدف الإيراني يمكن قراءته عبر ثلاثة مستويات: أولاً، ضمان منافذ اقتصادية تمنع خنق اقتصاد البقاء؛ وثانياً، الحصول على صيغة تؤدي عملياً إلى تحييد جزء من العقوبات؛ وثالثاً، والأكثر أهمية، رفع كلفة الامتثال الدولي للحصار الأميركي.
لكن هذه الاستراتيجية الإيرانية ليست بلا حدود. فإذا نجحت الولايات المتحدة في إغلاق منافذ النفط والتمويل والتجارة، بالتزامن مع استمرار التضخم وتراجع العملة ونقص السلع، فقد يصل اقتصاد البقاء نفسه إلى عتبة لا يستطيع بعدها امتصاص مزيد من الصدمات. والخطر الذي تحدث عنه عارف، أي تحول الأزمة الاقتصادية إلى “سخط وانهيار اجتماعي”، هو تحديداً السيناريو الذي تراهن عليه استراتيجية الضغط الأميركية.
وفي المقابل، فإن الحرب الاقتصادية لا تضمن لواشنطن بيئة أكثر استقراراً بالضرورة. فكلما اقتربت طهران من الشعور بأن الخنق الاقتصادي يهدد بقاء النظام، ازدادت قيمة الأدوات التصعيدية الأخرى بالنسبة إليها.
ومن هنا ينبغي النظر إلى التلويح داخل البرلمان الإيراني بخيارات مثل الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار باعتباره مؤشراً إلى أن الضغط الاقتصادي، إذا تجاوز عتبة معينة، قد ينتج تصعيداً استراتيجياً في ساحات أخرى بدلاً من الاستسلام الاقتصادي.
لذلك لا ينبغي قراءة انتقال مركز الثقل نحو الاقتصاد باعتباره نهاية للمواجهة العسكرية، بل بوصفه إعادة ترتيب للأدوات: قوة عسكرية في الخلفية، وضغط اقتصادي في المقدمة، وتفاوض وتصعيد وردع تسير كلها في وقت واحد.
المصدر: العربية – اقتصاد



