اكتشاف شبكة لغوية خفية في الدماغ البشري
لطالما ارتبطت اللغة ببضع مناطق معروفة في الجانب الأيسر من الدماغ. ولعقود، أشار العلماء إلى مناطق في الفصين الجبهي والصدغي باعتبارها المراكز الأساسية للكلام والفهم.
لكن دراسة جديدة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تُظهر الآن أن الأمر أكثر تعقيداً، وأكثر إثارة للاهتمام.
الذاكرة والحركة والعاطفة
وفقاً لما نشره موقع Brighter Side News، تم الكشف، من خلال تحليل صور الدماغ لأكثر من 700 شخص، عن أن معالجة اللغة تمتد إلى العديد من المناطق الإضافية.
تنتشر هذه المناطق في جميع أنحاء الدماغ، بما يشمل أجزاء مرتبطة بالذاكرة والحركة والعاطفة. وتشكل هذه المناطق مجتمعة شبكة أوسع تدعم كيفية فهم الناس للغة واستخدامها.
وقالت إيفيلينا فيدورينكو، الأستاذة المشاركة في علوم الدماغ والإدراك في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والباحثة الرئيسية في الدراسة، إنه “على الرغم من وجود كل هذه المكونات البعيدة، إلا أن حجمها محدود نسبياً.
لا تحتاج إلى كل هذا القدر من الدماغ للقيام باللغة”.

مراكز اللغة التقليدية
يعود المفهوم التقليدي للغة في الدماغ إلى القرن التاسع عشر. فقد حدد العلماء منطقة بروكا، التي تقع بين الفص الجبهي والنصف الأيسر للمخ، والمناطق المجاورة لها باعتبارها أساسية للكلام والفهم. ومع مرور الوقت، أكدت الأبحاث الدور المحوري الذي تلعبه هذه المناطق.
ولكن ظهرت دلائل على وجود نظام أوسع نطاقاً على مر السنين. إذ أظهرت فحوصات الدماغ في كثير من الأحيان نشاطاً خارج هذه المناطق التقليدية.
تُعيد الدراسة الجديدة النظر في هذا الافتراض. فمن خلال إلقاء نظرة أوسع وأكثر تفصيلاً على نشاط الدماغ، حدد فريق الباحثين 17 منطقة إضافية تستجيب للغة.
دراسة واسعة النطاق
اعتمد البحث على بيانات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي ل 772 مشاركاً. أنجز كل مشارك مهمة مصممة لعزل معالجة اللغة.
قرأ المشاركون أو استمعوا إلى جمل حقيقية، كما صادفوا سلاسل من الكلمات غير ذات المعنى.
وبمقارنة استجابة الدماغ لهاتين الحالتين، تمكن الباحثون من تحديد المناطق التي تستجيب تحديداً للغة ذات المعنى.
وقالت أغاتا وولنا، باحثة رئيسية في الدراسة: “إنه نموذج بسيط للغاية يسمح بتحديد نظام اللغة الأساسي هذا في أدمغة الأفراد”.
بالنسبة للعديد من المشاركين، جمع فريق الباحثين أيضاً بيانات من مهمة منفصلة تتعلق بالذاكرة المكانية. وسمح لهم ذلك بمقارنة النشاط المتعلق باللغة بعمليات التفكير العامة.
ظهور شبكة أوسع
كشفت النتائج عن نظام موزع يتجاوز مراكز اللغة المألوفة. تظهر المناطق المحددة حديثاً في عدة أجزاء من الدماغ.
يقع بعضها في المخيخ، المعروف بتنسيق الحركة. تظهر مناطق أخرى في الحصين، وهو بنية مرتبطة بالذاكرة، وفي اللوزة الدماغية، التي تلعب دوراً في العاطفة.
ووُجدت مناطق إضافية في القشرة الجبهية الإنسية وعلى طول السطح السفلي للفص الصدغي.
17 منطقة جديدة
من بين المناطق السبعة عشر الجديدة، تقع خمس منها في المخيخ. هذه النتائج مثيرة للاهتمام بشكل خاص لأنها تشير إلى أن اللغة ربما تعتمد على أنظمة مرتبطة تقليدياً بالتنسيق الحركي.
قالت فيدورينكو إن “تلك المناطق، التي تستجيب للغة وبعض المهام الأخرى، مثيرة للاهتمام ومهمة للغاية لأنها قد تقوم بشيء مثل دمج المعلومات من أنظمة قشرية مختلفة”.
وظائف مهمة ومحتملة
لا يزال الدور الدقيق لهذه المناطق الإضافية غير واضح. ولكن تقدم النتائج أدلة حول كيفية عمل اللغة ككل.
يمكن أن تساعد بعض المناطق في ربط اللغة بالذاكرة. على سبيل المثال، ربما يدعم الحصين القدرة على ربط الكلمات بالخبرات السابقة أو المعرفة المخزنة.
ويمكن أن تساعد مناطق أخرى في دمج اللغة مع العاطفة أو المعنى الاجتماعي. يشير دور اللوزة الدماغية إلى أن فهم النبرة أو السياق العاطفي قد يتطلب أكثر من مجرد شبكة اللغة التقليدية.
يلعب المخيخ دوراً في تنسيق الأنماط المعقدة، بما يشمل توقيت الجمل وبنيتها، الأمر الذي يتطلب تنظيماً دقيقاً.
وتشير هذه المناطق مجتمعةً إلى أن اللغة ليست معزولة، بل تتفاعل مع أنظمة متعددة تُشكل طريقة تفكير الأشخاص وشعورهم وذاكرتهم.
نظام صغير لكنه قوي
تشكل جميع المناطق المحددة مجتمعة حوالي 5% من حجم الدماغ، أي ما يُعادل حجم حبة فراولة كبيرة تقريباً.
تنتشر اللغة في جميع أنحاء الدماغ، بمعنى أنها تعتمد في الواقع على شبكة صغيرة لكنها فعّالة. يمكن أن تنشط مناطق دماغية عديدة أثناء أداء مهام اللغة، لكن يبدو أن مجموعة فرعية منها فقط متخصصة في اللغة نفسها.
فصل اللغة عن التفكير العام
قارن الباحثون النشاط اللغوي بالنشاط الناتج عن مهمة الذاكرة المكانية. تُفعل هذه المهمة نظاماً يُعرف بشبكة الطلب المتعدد، والتي تدعم حل المشكلات العامة.
أظهرت النتائج أن العديد من المناطق المحددة حديثاً تستجيب للغة بشكل أقوى من استجابتها للمهام العامة، مما يشير إلى أنها تُشارك فعلياً في معالجة اللغة.
لكن استجابت بعض المناطق لكلا النوعين من المهام. قد تعمل هذه المناطق كجسور، تُساعد الدماغ على دمج اللغة مع الوظائف المعرفية الأخرى.
الآثار العملية للبحث
يمكن أن يُحسن هذا البحث فهم العلماء لاضطرابات اللغة وعلاجها. فمن خلال تحديد شبكة أوسع، يُمكن للأطباء تشخيص الحالات التي تُؤثر على التواصل بشكل أفضل.
كما يُمكن أن يُرشد استراتيجيات إعادة التأهيل. يمكن أن تستهدف العلاجات مناطق اللغة الأساسية إلى جانب المناطق الداعمة التي تساعد على دمج الذاكرة والعاطفة.
في مجال التعليم، تُبرز النتائج كيفية ارتباط اللغة بالأنظمة المعرفية الأخرى، مما يمكن أن يؤثر على كيفية تدريس مهارات القراءة والتواصل، لا سيما للطلاب ذوي صعوبات التعلم.
على نطاق أوسع، تُسهم هذه الدراسة في تعزيز فهم كيفية تنظيم القدرات المعقدة في الدماغ، إذ تُظهر أن حتى الوظائف المتخصصة للغاية تعتمد على التعاون بين مختلف الأنظمة.
المصدر: العربية



