الإعلام الغربي والحوثيون
Backملخص الخبر
- أدت الضغوط الغربية في عام 2018 لتقييد الخيارات العسكرية للتحالف العربي مما ساهم في ترسيخ سيطرة الحوثيين على صنعاء والحديدة.
- أدت هذه السياسات إلى منح الجماعة وقتاً لتطوير قدراتها الصاروخية والمسيّرة لتصبح تهديداً خطيراً على استقرار المنطقة.
- تتجاهل التغطية الإعلامية الغربية الحالية دور تلك الضغوط السابقة في إعاقة تحقيق انتصار حاسم أو تقديم بديل سياسي لإنهاء سيطرة الجماعة المسلحة.
ملخص كتبه الذكاء الاصطناعي من نص الخبر في مصدره.
عقب الهجمات الحوثية الإرهابية الأخيرة على السعودية، وخاصة هجمات المطارات، عادت أغلبية وسائل الإعلام الغربية والنخب المرتبطة بها إلى الحديث عن محدودية الخيارات العسكرية أمام التحالف العربي بقيادة السعودية، وصعوبة تحقيق انتصار حاسم في اليمن. هذه التغطية تتجاهل حقيقة مهمة، وهي أن الضغوط الغربية في تقييد تقدم التحالف عام 2018 بحجة الكارثة الإنسانية أسهمت في ترسيخ سيطرة الجماعة على صنعاء، ومنحها الوقت لتطوير قدراتها الصاروخية والمسيّرات لتصبح تهديداً خطيراً على استقرار المنطقة، واليوم تعود هذه المنافذ ذاتها لتتحدث عن صعوبة هزيمتها.
في عام 2018، كان ميزان المعركة مختلفًا، فقد اقتربت القوات الحكومية اليمنية المدعومة من التحالف بقيادة السعودية من صنعاء، وبدأت عملية عسكرية واسعة لاستعادة الحديدة، الميناء الاستراتيجي الذي اعتمدت عليه مناطق واسعة من اليمن في استيراد الغذاء والوقود. وكانت القوات الحكومية، وفق تقرير نشرته “واشنطن بوست” في مارس من ذلك العام، على مسافة تقارب 60 ميلًا من العاصمة. وفي يونيو من نفس العام، تقدمت القوات المدعومة من التحالف باتجاه الحديدة، في تطور هدد بتغيير موازين السيطرة على الأرض بشكل حاسم.
لكن هذا التقدم واجه ضغوطًا غربية ضخمة، وتركزت على التحذير من كارثة إنسانية ومجاعة محتملة إذا استمرت العمليات العسكرية في الحديدة. ونشرت “واشنطن بوست” في 13 يونيو 2018 مقالًا حذرت فيه من التداعيات الإنسانية للحرب. وفي نوفمبر من العام نفسه، أفادت وكالة “رويترز” بأن التحالف أوقف هجومه داخل الحديدة بعد ضغوط غربية متزايدة للدفع نحو وقف إطلاق النار.
كانت النتيجة الاستراتيجية واضحة، لم تُستكمل المعركة بما يغيّر السيطرة على أهم مراكز القوة الحوثية، وبقيت صنعاء تحت سيطرة الجماعة، واستمر نفوذها على الحديدة ومينائها. وفي المقابل، لم تنجح الضغوط الغربية في إنهاء الحرب أو فرض تسوية تنزع السلاح من الميليشيات وتعيد مؤسسات الدولة إلى العاصمة. وهكذا تحولت التحذيرات الإنسانية من دعوات لحماية المدنيين إلى عامل ضغط قيّد الخيارات العسكرية للتحالف، من دون أن يقابله مسار سياسي قادر على إنهاء سيطرة الحوثيين.
كان استكمال التقدم العسكري سيغيّر موازين القوة على نحو دائم؛ فاستعادة صنعاء كانت ستنهي سيطرة الحوثيين على العاصمة ومؤسسات الدولة وتقديم بديل وطني وأمل موثوق للشعب اليمني، وستعني استعادة الحديدة الحد من سيطرتهم على أحد أهم منافذ الإمداد والموارد. وكان ذلك سيمنح الحكومة اليمنية والتحالف موقعًا تفاوضيًا أقوى، ويفتح الطريق أمام تسوية تُخضع السلاح لسلطة الدولة وتحوّل الحوثيين إلى طرف سياسي يعمل ضمن مؤسساتها، بدل استمرارهم كقوة عسكرية مستقلة تفرض إرادتها بالسلاح.
وفي الحقيقة لم يكن المطلوب تجاهل المخاطر الإنسانية أو قطع الغذاء والوقود عن اليمنيين، ولكن كان يمكن تنفيذ العمليات مع تأمين الموانئ والمساعدات والإمدادات المدنية. وكان بالإمكان الجمع بين حماية السكان واستعادة مؤسسات الدولة، بدل التعامل مع الخيارين باعتبارهما متعارضين. أما وقف التقدم من دون فرض تسوية تنهي السيطرة المسلحة، فقد أبقى أسباب الحرب قائمة، وترك للحوثيين المجال لترسيخ سلطتهم وإعادة تنظيم قدراتهم.
والآن وبعد سنوات من الحرب، تبدلت لغة التغطية الغربية؛ فبعد التحذير من تقدم التحالف خشية التداعيات الإنسانية، بات التركيز على تنامي قدرات الحوثيين على إلحاق الضرر بالسعودية وصعوبة هزيمتهم هو العنوان الأبرز.
وكشفت تقارير نشرتها “رويترز”، و”أسوشيتد برس”، و”فاينانشال تايمز”، والصحف الأمريكية في أكتوبر 2026 عن تطور ترسانة الجماعة ودور الدعم الإيراني وغيرها من الأطراف الدولية والتحديات التي تواجه الدفاعات السعودية في مواجهة هذه الميليشيات، وهذه حقائق. لكن المعضلة في الرؤية الغربية أنها توثق تنامي الخطر، ثم تتعامل معه كأمر واقع لا مفر منه، من دون مساءلة كافية عن السياسات التي قيّدت خيارات الحسم وتركت الجماعة تستثمر الوقت والدعم الخارجي والانقسامات اليمنية لتعزيز قوتها.
وهكذا يصبح الحوثيون في هذه الرواية قوة يصعب هزيمتها، بدلاً من أن يكونوا جماعة مسلحة إرهابية يجب إخضاعها للمساءلة وإنهاء تهديدها. فالغرب الذي حذّر من عواقب هزيمة الحوثيين على المدنيين، بات يشرح اليوم لماذا يصعب هزيمتهم.
وأعود وأقول: لا تتحمل الدول الغربية وحدها مسؤولية تعثر الحرب، فالانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وضعف مؤسسات الحكومة اليمنية وغيرها، كلها عوامل أسهمت في استمرار الأزمة. لكن ذلك لا يلغي أثر الضغوط الغربية في تقييد العمليات العسكرية، ولا يعفي السياسات التي طالبت بوقف التقدم من مسؤولية عدم تقديم بديل يضمن إنهاء سيطرة الحوثيين المسلحة.
في أزمات الشرق الأوسط المتواصلة، تظهر التطورات الإقليمية أن موازين القوى ليست ثابتة، وأن الجماعات التي تبدو راسخة يمكن أن تفقد نفوذها عندما تتغير الظروف العسكرية والسياسية، كما حدث في سوريا ويحدث الآن في السودان. لكن تغيير الواقع اليمني يتطلب مشروعًا واضحًا لاستعادة الدولة بدعم دولي واسع، بدلاً من الاكتفاء بتحميل العبء على السعودية أو إدارة الصراع أو التعامل مع سيطرة الحوثيين كسلطة أمر واقع أو قوة قاهرة يصعب هزيمتها.
على أي حال، ليس المطلوب من الصحافة الغربية أن تتبنى الرواية السعودية. وظيفة الصحافة الموضوعية أن تحقق في الانتهاكات، وتوثق معاناة المدنيين من الصراعات، وتختبر ادعاءات الجماعات المسلحة الإرهابية. وهذا المعيار نفسه يجب أن يُطبّق على الحوثيين، كجماعة إرهابية تمارس العنف المسلح وتستهدف المنشآت المدنية والملاحة الدولية.
فقد استهدفت هجماتها مطارات ومنشآت مدنية في السعودية، وأسفرت الهجمات الحوثية عن سقوط قتلى وإصابة مئات الأشخاص عبر سنوات الصراع. هذه ليست تفاصيل هامشية في تغطية الحرب، وهي وقائع تتصل مباشرة بأمن المدنيين واستقرار المنطقة والاقتصاد العالمي. الجماعة التي تستخدم الصواريخ والمسيّرات ضد أهداف مدنية، وتهدد السفن التجارية، وتفرض سلطتها بالقوة، يجب أن تخضع للمساءلة عن أفعالها، لا لتقارير تمتدح قدرتها على الصمود أو صعوبة هزيمتها، كما أن تحليل تعقيدات الحرب لا يبرر تجاهل ضحايا هجماتها.
وباختصار، استقرار اليمن يتحقق فقط باستعادة الدولة وإنهاء سيطرة الحوثيين على صنعاء والحديدة. ولا يجب الاستماع للمقاربات والحلول الغربية التي أثبتت فشلها في كل الأزمات في المنطقة، فأهل مكة أدرى بشعابها، وأقدر على فهم جذور أزماتها وصياغة حلول تراعي أمنها ومصالح شعوبها.
المصدر: العربية – سياسة