الافتعال الإيراني.. وكذبة «الأسرى»
من يسمع الرواية الإيرانية عن وجود «أسرى طيارين» لدى قطر، قد يظن للوهلة الأولى أن حربًا جوية كانت تدور بين الدوحة وطهران، وأن مقاتلات قطرية أغارت على إيران، فردت عليها طائرات إيرانية، قبل أن تُسقط في معركة متبادلة ويقع طياروها في الأسر.
لكن الحقيقة مختلفة تماما.
إيران هي التي أرسلت طائراتها المقاتلة إلى الأجواء القطرية في مارس الماضي، في إطار هجوم استهدف الأراضي القطرية، بينما لم تكن قطر طرفا في الحرب، ولم تشارك في شنها، بل كانت، ولا تزال، من أكثر دول المنطقة انخراطا في الجهود الدبلوماسية لوقف التصعيد وتجنيب المنطقة تداعياته.
فبأي منطق يتحول المعتدي بعد ستة أشهر إلى ضحية، ويتحول الدفاع عن السيادة إلى قصة «أسرى»؟
قطر أكدت أن الطائرات الإيرانية اخترقت مجالها الجوي ولم تستجب لمحاولات الاتصال بها، قبل أن تتخذ قواتها الإجراءات اللازمة للدفاع عن أراضيها -وفق قواعد الاشتباك- وهذا ليس استثناء قطريا، بل أبسط حق سيادي لأي دولة.
فلا توجد دولة محترمة في العالم مطالبة بفتح سمائها أمام طائرات عسكرية معادية، فقط لأن الجهة التي أرسلتها ترى أن معركتها مع طرف آخر تمنحها حق الاعتداء على أراضي الآخرين وأجوائهم وتحويلها إلى ساحة حرب.
المشكلة أن طهران تريد أن تؤسس لمنطق غريب: من حق إيران أن تضرب، وعلى الدول التي تتعرض للهجوم أن تتحمل! فإذا تصدت لطياراتها أصبحت مطالبة بتفسير مصير الطيارين، وإذا فقدت إيران جنودها أثناء اعتداء عسكري على دولة أخرى، تتحول فجأة إلى الطرف الذي يطالب بالقانون الدولي.
والأغرب هو قصة «الأسرى» نفسها.
طوال أشهر كان الحديث عن طيارين مفقودين. ثم ظهر الادعاء الإيراني بأن ثلاثة منهم أُسروا أحياء لدى قطر، من دون أن تقدم طهران حتى الآن دليلا علنيا يمكن التحقق منه يثبت وقوعهم في الأسر. ومع ذلك تبنت الخارجية الإيرانية الملف، وقالت إنها ستواصل متابعة مصيرهم عبر الوسائل الثنائية والقانونية والدولية.
في المقابل، لم تتصرف قطر كدولة لديها ما تخفيه. أعلنت أنها عثرت خلال عمليات البحث والإنقاذ على رفات أحد الطيارين، وتواصلت مع إيران لتنسيق تسليمها، وقالت إنها دعت طهران إلى الاطلاع على تفاصيل عمليات البحث والإنقاذ. ولم تتلقَ ردًا إيرانيًا.
وهنا تصبح المسألة أبعد من مصير ثلاثة طيارين.
إنها محاولة لإعادة صياغة الحكاية، إخراج الطائرات الإيرانية من مشهد الاعتداء وإدخالها إلى مشهد الأسر، وكأنّ السؤال لم يعد: لماذا دخلت طائرات إيرانية الأجواء القطرية؟ بل: أين «أسرى» إيران؟
قبل أن تسأل طهران عن «الأسرى» عليها أن تجيب عن السؤال الأصلي: بأي حق كان هؤلاء الطيارون في سماء قطر أصلاً؟
السيادة ليست حقًا لإيران واستثناء للآخرين. ومن يرسل طائراته المسلحة إلى أجواء دولة أخرى لا يستطيع، عندما تتصدى له تلك الدولة، أن يعيد كتابة المشهد ويقدم نفسه ضحية.
الاعتداء يبقى اعتداءً، مهما تغيّرت الرواية بعد ستة أشهر!
نقلاً عن الأيام
المصدر: العربية – سياسة





