الانتخابات الإسرائيلية بين أزمة القيادة وغموض الأفق الاستراتيجى
تدخل إسرائيل انتخابات السابع والعشرين من أكتوبر المقبل وهى تواجه واحدة من أكثر لحظات التحول حساسية فى تاريخها السياسى والاستراتيجى. فهذه الانتخابات تأتى بعد صدمة السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، وحرب طويلة فى غزة، واتساع دائرة المواجهة إلى لبنان وإيران واليمن، وفى ظل انقسام داخلى متزايد حول شكل الدولة وحدود السلطة والعلاقة بين الأمن والديمقراطية. ولذلك فإن المعركة الانتخابية لا تتعلق فقط بمن سيحكم إسرائيل فى المرحلة المقبلة، وإنما بأى إسرائيل ستخرج من هذه المرحلة: إسرائيل أكثر اعتماداً على القوة العسكرية والقومية الدينية، أم إسرائيل تسعى إلى إعادة بناء توازن سياسى ومجتمعى يسمح لها بتحويل قوتها العسكرية إلى أمن واستقرار مستدام.
وتكتسب انتخابات ٢٠٢٦ أهمية إضافية لأنها ستكون أول انتخابات إسرائيلية منذ عام ١٩٨٨ تُجرى فى موعدها، بعد أن أكمل الكنيست الخامس والعشرون ولايته القانونية كاملة، عقب سنوات من عدم الاستقرار الانتخابى. غير أن اكتمال الولاية لا يعنى انتهاء أزمة النظام السياسى، بقدر ما يعكس قدرة الحكومة على البقاء رغم الخلافات العميقة التى أحاطت بها.
والمفارقة أن الاستقرار الزمنى للحكومة لم ينتج استقراراً سياسياً أو استراتيجياً. فالانتخابات المقبلة تُخاض بدرجة كبيرة باعتبارها استفتاءً على بنيامين نتنياهو، بقدر ما هى منافسة بين برامج سياسية. وقد بدأت هذه المعادلة فى التغير مع صعود جادى أيزنكوت، رئيس الأركان السابق، الذى يقود حزب «يشار»، وأصبح فى عدد من الاستطلاعات متقدماً على الليكود، كما تقدم شخصياً على نتنياهو فى سؤال الأنسب لرئاسة الحكومة. غير أن التقدم الانتخابى لا يعنى بالضرورة انتقال السلطة، لأن المعركة الحاسمة ستظل مرتبطة بالقدرة على تشكيل ائتلاف يملك أغلبية ال٦١ مقعداً.
وقد أصبح نتنياهو أكثر من مجرد زعيم لليكود؛ فهو محور معظم المعادلات السياسية الإسرائيلية. وباتت التحالفات تُبنى إلى حد كبير على أساس الموقف منه، أكثر مما تُبنى على أساس البرامج، الأمر الذى عمّق الاستقطاب الشخصى وأضعف قدرة النظام السياسى على إنتاج توافقات مستقرة. ولذلك قد تغير الانتخابات أحجام القوى من دون أن تضمن تغيير الحكومة، وقد تكون المعركة الحقيقية هى قدرة أى طرف على بناء ائتلاف قابل للحياة لفترة زمنية ممتدة.
غير أن التحول الأعمق الذى أفرزته الحروب يتمثل فى انتقال إسرائيل من مفهوم «الحرب القصيرة الحاسمة» إلى إدارة حروب مفتوحة ومتعددة الجبهات. فمنذ تأسيسها، قامت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على خوض مواجهات قصيرة تعيد تثبيت الردع وتجنب الاستنزاف. أما اليوم، فأصبحت إسرائيل تخوض صراعات ممتدة زمنياً وجغرافياً، من دون نصر استراتيجى حاسم أو تصور واضح لإنهائها. وهذه ليست مشكلة عسكرية فحسب، بل تكشف حدود القوة العسكرية عندما تتحول من وسيلة لتحقيق أهداف سياسية إلى بديل عن السياسة نفسها.
وهنا تظهر المعضلة الأساسية للانتخابات: فالمجتمع الإسرائيلى يشعر بكلفة الحرب والاستنزاف، لكن القوى الساعية إلى تغيير نتنياهو لا تقدم بالضرورة بديلاً استراتيجياً متكاملاً عن منطق القوة. وحتى أبرز منافسيه ينتمون إلى المؤسسة العسكرية والأمنية، بما يعنى أن تغيير القيادة قد يكون أسهل بكثير من تغيير العقيدة الاستراتيجية.
وتتجسد هذه المعضلة بوضوح فى غزة، التى لم يعد مستقبلها شأناً إسرائيلياً داخلياً، بل أصبح اختباراً للعلاقة مع واشنطن ولقدرة إسرائيل على تحويل التفوق العسكرى إلى ترتيبات سياسية مستقرة. فإدارة الرئيس دونالد ترامب تدفع نحو ترتيبات تتجاوز الحرب، بينما يتمسك نتنياهو بأولوية تفكيك القدرات العسكرية لحماس قبل أى انسحاب. والخلاف هنا يتجاوز التكتيك إلى سؤال استراتيجى: هل تستطيع إسرائيل الانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة ما بعد الحرب، أم أن استمرار الصراع أصبح جزءاً من تعريفها للأمن؟.
وفى الداخل، يتجاوز الصراع شخص نتنياهو إلى أزمة أعمق فى تعريف الدولة نفسها. فقضية تجنيد الحريديم تكشف التوتر بين تقاسم أعباء الأمن والحفاظ على تماسك الائتلاف، بينما يعكس تصاعد ثقل التيارات الدينية القومية والأصولية تحولاً فى طبيعة التوازنات داخل المجتمع الإسرائيلى، ويطرح تساؤلات حول حدود تأثير الدين فى القرار السياسى والأمنى والعلاقة بين يهودية الدولة وديمقراطيتها. وفى المقابل، قد يتجاوز دور الأحزاب العربية حجمها العددى إذا تقاربت موازين المعسكرات، بما يمنحها قدرة أكبر على التأثير فى معادلات تشكيل الائتلافات، حتى من دون مشاركتها المباشرة فى الحكومة.
إقليمياً، تدخل إسرائيل الانتخابات فى بيئة استراتيجية أكثر تعقيداً، مع توترات فى لبنان وسوريا، ومواجهة مفتوحة مع إيران، ومستقبل غير محسوم لغزة. وقد يتحول الأمن، الذى كان طويلاً مصدر قوة انتخابية لنتنياهو، إلى مصدر مساءلة؛ إذ لن يكون السؤال فقط: من يستطيع شن الحرب؟ بل: من يستطيع إنهاءها وتحويل نتائجها إلى أمن مستدام ومكاسب سياسية؟.
ومن هذا المنظور، فإن انتخابات ٢٠٢٦ قد لا تكون نهاية للأزمة الإسرائيلية، بل بداية لمرحلة جديدة من إعادة تعريف الدولة وموقعها الإقليمى. وقد تفضى إلى تغيير القيادة أو إلى تجدد ولاية نتنياهو، لكن كلا الاحتمالين سيترك إسرائيل أمام المعضلة نفسها: هل تستطيع تحويل تفوقها العسكرى إلى استراتيجية سياسية قادرة على إنتاج الأمن والاستقرار وإعادة بناء توافق داخلى حول مستقبل الدولة؟
فبرغم حدة الانقسام، ما زالت قطاعات واسعة تؤمن بمركزية القوة العسكرية وبقدرتها، مدعومة بالدعم الغربى، ولا سيما الأمريكى، على توفير الأمن بصورة دائمة، فيما يتراجع التأييد لتسوية تقوم على حل الدولتين والحقوق الوطنية الفلسطينية. غير أن القوة تستطيع الردع والدمار، ولا تستطيع وحدها إنتاج أمن مستدام أو إنهاء صراع سياسى وتاريخى. ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقى لما بعد الانتخابات لن يكون فقط فى هوية من يحكم إسرائيل، بل فى قدرتها على مراجعة عقيدة طالما افترضت أن التفوق العسكرى يمكن أن يحل محل التسوية السياسية؛ وإلا ستظل الأزمة أعمق من أن يحسمها صندوق الاقتراع.
نقلاً عن “المصري اليوم”
المصدر: العربية – سياسة



