مباشر الأربعاء، 17 يونيو 2026
عاجل
رياضة محليةالأجهزة الأمنية بالبحيرة ترحل الطبيبة صاحبة منشور مستشفى الشاطبي إلى مديرية أمن الإسكندريةمنوعاتضبط المتهم بسرقة مبلغ مالي من داخل سيارة «نقل» بالقاهرةمنوعاتبشرى للموظفين.. موعد إجازة رأس السنة الهجرية 1448 للقطاعين العام والخاصسياسةلبنان يتمسك بفصل مساره عن طهران بمواجهة محاولات إعادة الربطسياسةالنواب الأوروبيون يوافقون على إنشاء مراكز لترحيل مهاجرينسياسة«وول ستريت» ترتفع بحذر ترقباً لأول تصريحات وارشالعالم“لقد خسرنا جميعا”.. مساعدة زيلينسكي السابقة تتهمه بالتخلي عن وعوده الرئاسيةرياضة محليةترامب يدعو دول العالم لزيادة وتعزيز استثماراتها في مصرمنوعاتعاجل| استقرار سعر الذهب اليوم الأربعاء 17 يونيو 2026 في محلات الصاغةرياضة محليةترامب: مصر تحظى باحترام جميع دول العالمسياسةمظلوم عبدي في جولة أوروبية بشأن الملف السوريرياضة محليةرعب جوي في أمريكا للمرة الرابعة، لحظة تحطم طائرة لرجال الأعمال بشكل غامض (فيديو)منوعاتالزمالك يشكر الرئيس السيسي بعد إنهاء أزمة أرض النادي في 6 أكتوبرسياسةالسفير السعودي الجديد يسلّم أوراق اعتماده لوزير الخارجية اللبنانيةسياسة«فم مليء بالذهب»… يوثق رحلة «الأخوين بلين» في عالم «الهيب هوب» بنيويوركرياضة محليةرسالة مهمة من السيسي لـ ترامبرياضة محليةبابا الفاتيكان: الحوار أفضل من الحرب.. ونأمل في نجاح تفاهم إيران وأمريكاسياسةالأهلي يحسم التعاقد مع المدافع الغامبي أبو بكر كينتيهالعالممسؤول إيراني: مراسم تشييع علي خامنئي ستتضمن محطة في العراقمنوعاتعصبي وسيفجر أزمات.. محسن صالح يحذر من تحديات تواجه عموتة داخل الأهليرياضة محليةالأجهزة الأمنية بالبحيرة ترحل الطبيبة صاحبة منشور مستشفى الشاطبي إلى مديرية أمن الإسكندريةمنوعاتضبط المتهم بسرقة مبلغ مالي من داخل سيارة «نقل» بالقاهرةمنوعاتبشرى للموظفين.. موعد إجازة رأس السنة الهجرية 1448 للقطاعين العام والخاصسياسةلبنان يتمسك بفصل مساره عن طهران بمواجهة محاولات إعادة الربطسياسةالنواب الأوروبيون يوافقون على إنشاء مراكز لترحيل مهاجرينسياسة«وول ستريت» ترتفع بحذر ترقباً لأول تصريحات وارشالعالم“لقد خسرنا جميعا”.. مساعدة زيلينسكي السابقة تتهمه بالتخلي عن وعوده الرئاسيةرياضة محليةترامب يدعو دول العالم لزيادة وتعزيز استثماراتها في مصرمنوعاتعاجل| استقرار سعر الذهب اليوم الأربعاء 17 يونيو 2026 في محلات الصاغةرياضة محليةترامب: مصر تحظى باحترام جميع دول العالمسياسةمظلوم عبدي في جولة أوروبية بشأن الملف السوريرياضة محليةرعب جوي في أمريكا للمرة الرابعة، لحظة تحطم طائرة لرجال الأعمال بشكل غامض (فيديو)منوعاتالزمالك يشكر الرئيس السيسي بعد إنهاء أزمة أرض النادي في 6 أكتوبرسياسةالسفير السعودي الجديد يسلّم أوراق اعتماده لوزير الخارجية اللبنانيةسياسة«فم مليء بالذهب»… يوثق رحلة «الأخوين بلين» في عالم «الهيب هوب» بنيويوركرياضة محليةرسالة مهمة من السيسي لـ ترامبرياضة محليةبابا الفاتيكان: الحوار أفضل من الحرب.. ونأمل في نجاح تفاهم إيران وأمريكاسياسةالأهلي يحسم التعاقد مع المدافع الغامبي أبو بكر كينتيهالعالممسؤول إيراني: مراسم تشييع علي خامنئي ستتضمن محطة في العراقمنوعاتعصبي وسيفجر أزمات.. محسن صالح يحذر من تحديات تواجه عموتة داخل الأهلي
أسعار
دولار أمريكي50.20EGPيورو58.29EGPجنيه إسترليني67.40EGPريال سعودي13.39EGPدرهم إماراتي13.67EGPدينار كويتي162.83EGPدينار أردني70.81EGPريال قطري13.79EGPليرة تركية1.08EGPيوان صيني7.42EGPذهب 247,035.67EGP/جمذهب 216,156.21EGP/جمذهب 185,276.76EGP/جمفضة114.33EGP/جم
دولار أمريكي50.20EGPيورو58.29EGPجنيه إسترليني67.40EGPريال سعودي13.39EGPدرهم إماراتي13.67EGPدينار كويتي162.83EGPدينار أردني70.81EGPريال قطري13.79EGPليرة تركية1.08EGPيوان صيني7.42EGPذهب 247,035.67EGP/جمذهب 216,156.21EGP/جمذهب 185,276.76EGP/جمفضة114.33EGP/جم
خبر عاجل
سياسة

«الحداد المجمّد».. عن الجراح التي يحملها المعتقلون السابقون في مصر

الإفراج عن المعتقل السياسي في مصر لا يعني نهاية سجنه، بل بداية شكل آخر منه. هذا ما يعرفه آلاف المفرج عنهم في السنوات الأخيرة، الذين يحيون تحت تهديد دائم بإعادة الاعتقال في أي لحظة، وهو ما تكرره موجات القبض المتتالية.

في بيان نشره مؤخرًا، أدان مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف القبض على ثلاثة من مؤسسي لجنة الدفاع عن سجناء الرأي: المحامي محمد أبو الديار، والمحامية وفاء المصري، والدكتورة حنان طنطاوي، في حلقة جديدة من سلسلة ممتدة تطال المدافعين عن الحقوق والمعتقلين السابقين أنفسهم. وبينما يركز الخطاب الحقوقي والسياسي، وهو محق، على البُعد القانوني، فإن ثمة بُعد نفسي أعمق يستحق التأمل: ماذا يحدث للإنسان حين يعيش داخل تهديد دائم بأن يفقد حريته مرة أخرى؟

لفهم حجم هذه السلسلة، يحسن استدعاء السياق الأوسع. فمنذ ثورة يناير 2011، مرت مصر بتحولات سياسية متعاقبة، تكثفت بعد منتصف عام 2013 في موجة قمع ممنهجة تستهدف المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان. بحسب الأرشيف السنوي لمركز النديم لعام 2025 وحده، رصد المركز 309 حالات إخفاء قسري، و78 حالة وفاة في الاحتجاز، و71 حالة تعذيب فردي موثقة، و1439 حالة ظهور بعد إخفاء قسري، فضلًا عن 253 محتجزًا ومحتجزة يعانون من إهمال متعمد. هذه أرقام عام واحد فقط، تتراكم على ما يقرب من 12 عامًا من السياسات ذاتها.

يعني هذا أن مئات الآلاف من المصريين يحيون تحت الأثر النفسي المباشر لاعتقال قريب لهم، ويضاف إليهم الآلاف ممن أفرج عنهم خلال السنوات الأخيرة، والذين يحيون تحت تهديد دائم بإعادة الاعتقال، بما في ذلك عبر ما باتت تعرفه التقارير الحقوقية والسياسية بسياسة «التدوير»، أي إعادة احتجاز الشخص ذاته في قضايا جديدة بعد انتهاء حكمه السابق.

وثّق أرشيف النديم لعام 2025 شهادات حية لهذه السياسة، منها قول أحد المعتقلين السابقين عن تجربته في قسم دار السلام: «الداخل مفقود، والخارج مولود، في قسم دار السلام كنا 46 شخصًا في زنزانة واحدة. تلتينهم كانوا خارجين من السجن ومستنيين إشارة من الأمن الوطني، ونصهم حرفيًا تم تدويره على قضايا جديدة، وكأنها حلقة مفرغة. قبل العرض على النيابة، كانوا بيجبولهم لبس جديد ويقصوا شعرهم علشان يبانوا كأنهم مقبوض عليهم إمبارح مش محبوسين من شهور».

الأطر التشخيصية الكلاسيكية، وعلى رأسها اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، تفترض أن الحدث الصادم قد انتهى، وأن المهمة العلاجية تتمحور حول معالجة الذاكرة الصدمية ودمجها. لكن المعتقل السياسي السابق في السياق المصري الراهن لا يعيش في «ما بعد»، هو يعيش في فجوة مفتوحة زمنيًا. لفهم هذه الحالة، نحتاج إلى إطارين نظريين متكاملين: نظرية الخسارة الغامضة (Ambiguous Loss)، ومفهوم الإجهاد الصدمي المستمر (Continuous Traumatic Stress).

الخسارة الغامضة والحداد المجمّد

تعود نظرية «الخسارة الغامضة» إلى عالمة النفس الأمريكية بولين بوس في سبعينيات القرن الماضي، والتي عملت مع عائلات الجنود الأمريكيين المفقودين في فيتنام، وقد ميزت فيها بين نوعين: الأول حين يكون الشخص غائبًا جسديًا حاضرًا نفسيًا، كحالة المختفين قسريًا والمحتجزين، والثاني حين يكون حاضرًا جسديًا غائبًا نفسيًا، كما في حالات الخرف والإدمان الحاد. غير أن المعتقل السياسي السابق وأسرته يقعون في تكوين مركب لا تستوعبه هذه التصنيفات بوضوح: إذ يعود الشخص جسديًا دون أن يسترد كامل وجوده النفسي والاجتماعي، وتفقد الأسرة قدرتها على استرداد إحساسها بالأمان، فتكون الخسارة هنا لـ«الأمان المفترض» ولـ«المستقبل القابل للتخطيط» كما عُرفا قبل الاعتقال الأول، وهو ما يعرف بـ«الحداد المجمد» (Frozen Grief): عملية حداد يتعذر اكتمالها لأن الخسارة ذاتها لم تحسم، فلا يستطيع الشخص أن يحزن على الحياة القديمة بوصفها انتهت، ولا أن يبدأ حياة جديدة بوصفها متاحة وآمنة.

في ثمانينيات القرن الماضي، طور علماء نفس جنوب إفريقيين، وعلى رأسهم جيل ستراكر، في سياق نظام الفصل العنصري مفهومًا مكملًا أسموه «الإجهاد الصدمي المستمر»، مفاده أنه حين يكون التهديد قائمًا وحقيقيًا في الحاضر والمستقبل المنظور، فإن أعراض اليقظة المفرطة والقلق وتوقع الأذى ليست أعراضًا مرضية ينبغي إخمادها، بل استجابات تكيفية لبيئة خطرة فعلًا. هذا التمييز جوهري إكلينيكيًا، إذ إن قراءة نوم المعتقل السابق المتقطع، واستيقاظه مع كل صوت طرق على الباب قبل الفجر، ونومه أحيانًا بملابسه الكاملة، ووجود حقيبة جاهزة بجوار باب البيت، وتجنبه ذكر بعض الأسماء على الخطوط العادية، وتجنبه المشاركة العامة، باعتبارها «اضطراب قلق» أو «انعزالية»، تنطوي على خطأ تشخيصي، فهي ليست تشويهًا للواقع بل قراءة دقيقة له. تلتقط شهادة معتقل سابق نشرها أرشيف النديم لعام 2025 هذا الأثر بدقة: «الجسد لا ينسى. حاولت ترك كل شيء خلفي، لم يكن ذلك ممكنًا. لأن الذاكرة ليست مجرد صور وأحداث، إنها عاطفة محفورة في الجسد، في تفاصيل الحياة اليومية، في تلك اللحظات التي تعود للظهور دون سابق إنذار».

تتجلى هذه الحالة المركبة في عدد من الأنماط المتشابكة: من حياة معلقة يعجز فيها المعتقل السابق عن اتخاذ قرارات بعيدة المدى، من الزواج والإنجاب إلى شراء سكن أو الشروع في عمل مستقر، لأن أي مشروع حياتي يمكن أن ينقطع باعتقال جديد. يصف أحد المعتقلين السابقين في أرشيف النديم هذا التعليق بصياغة لافتة: «حقيبة السفر بجوار الباب منذ سنوات، والصور مطوية بين الأوراق، لا تعلق على جدران لا تخصني… كل ما عشته بعد ذلك مجرد انتظار، مجرد حياة مؤجلة». أما اضطرابات النوم، فتتركز فيها الكوابيس وفترات الأرق في الساعات السابقة للفجر، حيث تجري غالبية مداهمات الاعتقال، حتى يغدو الجسد ذاته ساعة بيولوجية للخطر، ويظهر إلى جانب ذلك ما يعرف بالذنب الناجي، وهو شعور بالذنب تجاه الزملاء الذين لا يزالون محتجزين، يتفاقم مع كل خبر اعتقال جديد يعيد تنشيط الجراح.

يصف أحد المفرج عنهم هذه الحالة قائلًا: «أنا الآن خارج السجن، لكن أفكر في ستين ألف معتقل في سجون مصر سُرقت أعمارهم، وأخلي العجز والقهر يملاني، عشان لو ما ملانيش، يبقى في حاجة غلط»، يضاف إلى ذلك ما يعرف بإعادة الصدمة، إذ تنتج كل موجة قبض جديدة إعادة لإنتاج الصدمة الأصلية، فلا يتعافى المريض من حدث واحد، بل يُجبَر على إعادة معايشته دوريًا، وصولًا إلى ما تصفه جوديث هيرمان بسمات «اضطراب ما بعد الصدمة المعقد» (Complex PTSD) من اضطرابات في تنظيم الانفعال وفي الإحساس بالذات وفي العلاقات وفي منظومة المعنى، وهي سمات مميزة للصدمات المتكررة، لا للحدث الصادم الواحد.

لعل شهادة الصحفي والمعتقل السابق عبد الرحمن الجنيدي، التي نشرها على صفحته على فيسبوك تختصر ما يصعب على الإطارات النظرية أن تختصره: «السنادي كملت ست سنين بره زي اللي قضيتهم جوه، وكنت متخيل إن لما يعدي عليا بره وقت مساوي لوقت الحبس جسمي هيتخطى، بس مفيش. أوقات بتشد كذا يوم ورا بعض ماسورة كوابيس… بين كوابيس إعادة الاعتقال في سياقات من كل الأشكال والألوان، لضرب وتلطيش في تشريفة، لأصعبها، كوابيس القهر اللي تبقى قاعد فيها في زنزانة ويجيلك خبر بشع عن الناس اللي بتحبهم». والأهم أن التعليقات تحت منشوره جاءت كلها من ناجين يصفون التجربة ذاتها.

هكذا تنكشف الطبيعة الجماعية لهذه الظاهرة: ليست أعراضًا فردية متناثرة، بل بصمة موحدة تتركها سياسات الاحتجاز الممتد على أجساد وأذهان من مروا بها، حتى بعد سنوات من الإفراج. الجنيدي نفسه كان قد بنى توقعه على فرضية اضطراب ما بعد الصدمة الكلاسيكي: أن الوقت يداوي، وأن الجسد يتجاوز. لكنه اكتشف، من الداخل، أن هذه الفرضية لا تنطبق على من يعيشون تحت تهديد مستمر، حتى وإن كانوا قد غادروا مصر جسديًا.

ولا يقع هذا الثقل النفسي على المعتقل السابق وحده، بل يمتد إلى أسرته بأكملها. فالزوجة والأم والأطفال الذين يكبرون في مناخ يتعلمون فيه ألا يسألوا أسئلة، وألا يثقوا في الغرباء، وألا يخططوا للغد، يعانون جميعًا من نسختهم الخاصة من الحداد المجمد، وكثيرًا ما يدخلون منظومة المعاناة دون أن يعتبروا أنفسهم متضررين بما يكفي ليطلبوا الدعم. من أوجاع هذه السياسة ما تكتبه شهادة معتقل سابق في أرشيف النديم لابنته فريدة: «لما كانت فريدة بنتي تزورني في السجن، كانت نص الزيارة حضن ودموع. حضن فيه كلام كثير: أنا آسف يا حبيبتي إني حطيتك في الموقف ده… وحشتوني. اطمني، أبوك راجل. اوعي تتكسفي. ارفعي راسك».

يضاف إلى هذا العبء النفسي عبء عملي لا يقل وطأة، يتمثل في عدم الاستقرار الاقتصادي، والعزل الاجتماعي الناتج عن تجنب المحيط لأسرة المعتقل، ووصمة العار التي تخلخل بنية الدعم الاجتماعي الطبيعية، فتحرم الأسرة بذلك من الموارد ذاتها التي تحتاجها للتعافي.

البُعد المجتمعي.. خسارة جماعية

وسّعت بوس لاحقًا نظريتها لتشمل ما أسمته «الخسارة الغامضة الجماعية»، وهو إطار قابل للتطبيق بدقة على المجتمعات التي تعيش تحت قمع سياسي ممتد؛ إذ تتآكل الثقة الاجتماعية، وتنكمش مساحات العمل العام، ويصبح التضامن ذاته فعلًا محفوفًا بالخطر، وهو ما يشير إليه بيان النديم عن واقعنا الحالي في مصر حين يتحدث عن «مناخ الخوف والتهديد المستمر». فالقمع الموجه ضد المدافعين عن سجناء الرأي يستهدف في جوهره تفكيك شبكات الدعم النفسي والاجتماعي ذاتها التي يحتاجها المتعافون والمتعافيات، حتى لا يبقى من ينظم، ولا من يساند، ولا من يشهد.

ومن هنا تنبثق ضرورة مفاهيمية: لا يمكن قراءة التعافي من الصدمات السياسية بمنطق فردي بحت. فالنموذج الغربي الكلاسيكي للعلاج النفسي يفترض أن الفرد، بدعم مهني، قادر على إعادة بناء عالمه الداخلي بمعزل عن الظروف الخارجية، وهو افتراض يسقط حين يكون الجرح ذاته من صنع تلك الظروف ويتجدد بها يوميًا. لذلك يحتاج العمل العلاجي مع المعتقلين السابقين إلى تحولات مهمة في طريقة التفكير. أولها، أن أعراض القلق واليقظة المستمرة ليست دائمًا مرضًا يجب علاجه. فحين يكون الخطر حقيقيًا وقائمًا، تصبح هذه الأعراض شكلًا من أشكال الحماية الذاتية، لا اضطرابًا يستوجب الإخماد. وثانيها، التمييز بين القلق الذي يستجيب لخطر فعلي، والقلق الذي ينتشر إلى مناطق لا يحضر فيها الخطر. وثالثها، مساعدة الشخص على أن يعيش حالتين متناقضتين في الوقت نفسه: أن يحمل الأمل والحزن معًا، وأن يبني حياته رغم أن التهديد لم يزل، وأن يتعافى دون أن ينتظر زوال الخطر شرطًا للتعافي. هذا ما تسميه بوس «التفكير كلاهما/و» (Both/And Thinking): القدرة على حمل النقيضين معًا، دون أن يُلغي أحدهما الآخر.

والأهم من ذلك أن يعاد تعريف «الشفاء» ذاته، فلا يختزل في استعادة الفرد لتوازنه الداخلي، بل يفهم، في صياغة الفلسطيني إياد السراج والسلفادوري إغناثيو مارتن-بارو مؤسس «علم النفس التحرري»، بوصفه نجاة جماعية لا فردية، تتحقق عبر إعادة بناء شبكات الدعم، واسترداد المعنى السياسي للصمود، وممارسة التضامن ذاته. فالتنظيم الجماعي والمطالبة بالحقوق هما تدخل علاجي بالمعنى الدقيق للكلمة، لا ترفًا أيديولوجيًا يؤجل إلى ما بعد التعافي.

وعلى الرغم من أن التعافي يبدأ من اللحظة التي يستعيد فيها الإنسان صوته، وينتظم مع آخرين، ويستعيد المعنى السياسي لصموده، فإن اكتماله يتطلب أن تنفك الخسارة من غموضها. وفي حالة المعتقلين السياسيين السابقين، يعني ذلك في نهاية المطاف وقف الملاحقة، وتفكيك بنية القمع وإعادة بناء منظومة الحكم على أسس حقوقية وديمقراطية تعيد للناس حقهم في حياة قابلة للتخطيط. ولعل شهادة معتقل سابق قضى ست سنوات داخل السجن قبل أن يفرج عنه، نشرها أرشيف النديم، تختصر ما قيل: «خرجت لعالم البشر فيه يتواصلون بأشكال أنا مش مستوعبها… كنت، بكل بساطة، خايف. العالم كان مخيف»، ثم يضيف، وهو يفكر في زملائه الذين لا يزالون داخل السجون منذ 2013: «اللي النظام عمله في عشرات الآلاف من الناس مش مجرد ظلم، ده جريمة إنسانية من بشاعتها أغلبنا مش عارفين نستوعبها».

The post «الحداد المجمّد».. عن الجراح التي يحملها المعتقلون السابقون في مصر first appeared on Mada Masr.

المصدر: مدى مصر (عربي)

0 مشاهدة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *