الحرب التي تعيد تشكيل التفاوض
بعد أكثر من عشر موجات متتالية (١٢ حتى كتابة هذه السطور) من الضربات الأمريكية على إيران، واستمرار الردود الإيرانية والوساطات الإقليمية فى الوقت نفسه، فان التساؤل القلق أصبح هل هذه حرب هدفها الحسم، أم أنها وسيلة لفرض شروط تفاوض جديدة؟
الإجابة ليست سهلة، لأن المشهد يجمع بين نقيضين. فبينما تتبادل واشنطن وطهران الضربات، لا تزال قنوات الوساطة تعمل، كما ذكرنا من قبل، ولا تزال الرسائل السياسية ترسل بالتوازى مع الصواريخ. وهذا يعنى أن الطرفين لم يغادرا طاولة التفاوض، بل نقلا جزءا منها إلى الميدان.
الولايات المتحدة لا تبدو بصدد خوض حرب لإسقاط النظام الإيرانى أو احتلال أراضٍ داخل إيران. ما تفعله هو محاولة حرمان طهران من أهم أوراقها الاستراتيجية وهى القدرة على تهديد الملاحة فى مضيق هرمز، وتحويله إلى أداة نفوذ سياسى واقتصادى. أما إيران، فتسعى إلى إثبات أن أمن الخليج لا يمكن أن يُفرض من دونها، وأن أى ترتيبات إقليمية تتجاوزها ستبقى ناقصة وقابلة للاهتزاز.
لهذا لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائى، بل أصبح عنوانًا للصراع على من يملك حق رسم قواعد الأمن فى الخليج. فواشنطن تريد حرية ملاحة لا تخضع للإرادة الإيرانية، بينما ترى طهران أن الجغرافيا التى تمتلكها تمنحها حقا طبيعيا فى أن تكون شريكا لا يمكن تجاوزه فى إدارة هذا الممر الحيوى.
لكن هذا النوع من الصراعات يحمل خطرا متزايدا. فكل موجة جديدة من الضربات تقلل قدرة الطرفين على التحكم فى مسار التصعيد. قد تؤدى ضربة إيرانية إلى خسائر أمريكية تفرض ردا أوسع، أو تصيب غارة أمريكية هدفا تعتبره طهران مسألة سيادة أو بقاء، فتتحول الحرب المحدودة إلى مواجهة يصعب احتواؤها. وعندها لا يعود القرار بيد السياسيين وحدهم، بل يصبح أسيرا لضغط الرأى العام والمؤسسات العسكرية ومنطق الرد المتبادل.
ورغم ذلك فإن مؤشرات الحرب الشاملة لم تكتمل بعد. فلا وجود لقوات برية أمريكية داخل إيران، ولا لحملة تستهدف إسقاط النظام، كما أن مضيق هرمز، رغم اضطراب الملاحة، لم يُغلق بالكامل، ولا تزال الوساطات الإقليمية تتحرك بحثًا عن هدنة أو صيغة تعيد الطرفين إلى التفاوض.
وهنا تكمن المفارقة. فالطرفان يستخدمان الحرب لتحسين شروط التفاوض، لكن استمرار الحرب قد يجعلها هى التى تحدد مستقبل التفاوض، لا العكس. فكل يوم إضافى من القصف يرفع كلفة التراجع، ويجعل أى تسوية تبدو تنازلًا أمام الرأى العام الداخلى.
لم يعد السؤال هو حرب أم تفاوض؟ بل أصبح، هل تستطيع السياسة أن تلحق بالحرب قبل أن تنفلت من أهدافها؟ وحتى الآن لا يزال الباب مفتوحا أمام اتفاق جديد، لكنه باب يضيق مع كل ضربة جديدة. وإذا استمر هذا المسار طويلًا، فقد تتحول الحرب المحدودة من أداة ضغط إلى واقع استراتيجى يعيد رسم توازنات الشرق الأوسط بأكمله.
نقلاً عن المصري اليوم
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)