الرئيس مُبارَك بأثرٍ رجعيّ
صحيح أن مبارك لم يتخذ قرارات كبرى مثل الرئيس عبدالناصر إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية والإصلاح الزراعى وتأميم قناة السويس وبناء السد العالى. وصحيح كذلك أنه لم يتخذ قرارات كبرى مثل الرئيس السادات فى قرار الحرب ومبادرة السلام. لكن الأصح من هذا وذاك أن الزمن الذى جاء فيه الرئيس كان يحتاج قرارات من نوع مختلف.
جاء الرئيس مُبارَك إلى حكم مصر بعد أكثر من ثلاثين عاماً استُنزِفَت فيها قدرات مصر فى حروب متوالية 1948 ثم 1956 ثم حرب اليمن 1962 – 1967 ثم حرب النكسة 1967 ثم حرب أكتوبر 1973. جاء الرئيس مُبارَك إلى حُكم مصر والريف كله مازال قريب عهد بماضيه الفرعونى: البيوت من طين أقرب ما تكون إلى الكهوف أو الجحور يتعايش بين جدرانها المتهالكة وتحت سقوفها الهشة أهل البيت مع أبقارهم وجاموسهم وحميرهم وأغنامهم.
ليس فيها ماء جارٍ إلا فيما نَدَر، ليس فيها كهرباء إلا فى أقل القليل، ليس فيها شىء مما بات أساسياً فى بيوت الريف كما نراها الآن. الثلاثون عاماً التى حكمها مبارك نقلت الريف – فى صَمت وهدوء – من تاريخ قريب الصلة بالماضى الفرعونى السحيق إلى تاريخ جديد قريب الصلة بالعصر الحاضر.
محمد على باشا أدخل تعديلات جذرية على الريف بما شاده من مشروعات الرى والصرف وبما أدخله من تطوير على نظام الزراعة. الرئيس عبدالناصر أدخل على الريف تحسيناً جوهرياً بالسد العالى. الرئيس مُبارَك أدخل الريف إلى عالم المرافق والبنية التحتية الحديثة: أُعيد بناؤه بالكامل بالمسلح بعدما عاش آلاف السنين بالطين والطوب اللبن، دخلت شبكات الماء الصالح للشرب كل البيوت، دخلت الكهرباء كل البيوت، دخلت التليفونات كل البيوت، دخلت الغسالات الكهربائية والبوتاجازات والثلاجات كل البيوت.
البيت المصرى – فى الريف – انتقل فى عهد مبارك نقلة جبَّارة، ساعد عليها أوسع ما شهد تاريخ مصر المعاصرة من هجرة المصريين إلى العمل وطلب الرزق وكسب المال فى الخليج، ضخت العمالةُ المصرية فى الخليج وغيره تدفقات مالية غير مسبوقة دخلت الريف فغيّرَت وجهه إلى الأبد. سنوات مُبارَك – وهى أيضاً سنوات العمل فى الخليج – وَسَّعَت نطاق الطبقة الوسطى فى الريف على عكس المُشاع تماماً. قبله كان تليغراف القرن التاسع عشر وسيلة التواصل ثم دخل التليفون ثم دخل الإنترنت الذى كان من وسائل الثورة عليه.
نقلاً عن المصري اليوم
المصدر: العربية – سياسة





