الرئيس وكشف حساب الحكومة.. علامَ وكيفَ ولماذا ومتى؟
في 26 أغسطس الماضي طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي من حكومة د. مصطفى مدبولي تقريراً لعرضه على المصريين، يتضمن كشف حساب شامل عن الإنجازات الفعلية للدولة.
وأشار رئيس الوزراء في اجتماع الحكومة نهاية أغسطس الماضي إلى أن الحكومة ستعمل على تنفيذ التكليف الرئاسي قبل نهاية أكتوبر القادم، وأنها ستُكثف الجهود في مختلف مجالات العمل، بالتوازي مع توضيح الحقائق أمام المواطنين، مشيراً إلى أن التقرير سيتضمن ملف الأسواق، والتطور في ملف الطاقة والخدمات من بترول وغاز وتعليم، فضلاً عن الملفات الاقتصادية المرتبطة بالتضخم والتدفقات الدولارية والاحتياطي من النقد الأجنبي، وكافة الجهود المبذولة للتنمية، والأموال التي تم إنفاقها، والنتائج التي تحققت.
لماذا تقرير الإنجاز الآن؟
لم يُشر التكليف الرئاسي إلى أسباب طلب هذا التقرير.
ورغم أهمية الإفصاح عنه بغرض الشفافية وتوضيح المعلومات، إلا أنه يُعد سياسة جديدة محمودة لم يسبق أن طُرحت رئاسياً، عبر تكليف حكومة من الحكومات المصرية.
صحيح أن الحكومة في مجلس النواب تطرح دوماً إنجازاتها كلما سنحت تلك الفرصة، لكن وجود تكليف خاص بذلك مستقل ومجمع هو أمر جديد، يُحسب لرئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي.
يبقى السؤال: هل ترتبط النية بإحداث تغيير على مستوى الحكومة، وسيكون التقرير أحد أسباب هذا التغيير؟ ربما يكون ذلك وارداً، وإن كان الرئيس لا يحتاج إلى مبرر لتغيير رئيس الوزراء، خاصة أن الواقع يشير إلى أن الحكومات التي يغيرها رئيس الجمهورية يمررها البرلمان دون نقاش، كما جرت كافة التغييرات الحكومية منذ نهاية الحقبة شبه الليبرالية عام 1952.
من المسؤول عن النجاحات والانتكاسات؟
لا شك أن التقرير المرتقب سيُفرد ويُسهب في الإنجازات ويُقلل من الانتكاسات والكبوات.
وكما جرت عادة السلطة التنفيذية ستُبرر الانتكاسات بأمور مرتبطة بالبيئة الخارجية. فالشلل الذي أصاب العالم بسبب جائحة كوفيد- 19، وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على مصر، وتداعيات العدوان الإسرائيلي على غزة، والعدوان الأمريكي- الإسرائيلي على إيران، كلها باتت شماعة للانتكاسات، دون أن يكون ذلك بالضرورة في التصريحات الواردة عن النظم السياسية الأخرى.
لكن وكما جرت العادة أيضاً، يُتوقع أن يسبق حديث الإنجازات في التقرير المزمع عبارة “تمت بناء على توجيهات الرئيس”.
لا شك أن الرئيس يتحمل مسؤولية العمل، وما سيأتي به التقرير إجمالاً، فوفقاً للمادة 150 من الدستور: “يضع رئيس الجمهورية، بالاشتراك مع مجلس الوزراء، السياسة العامة للدولة، ويشرفان على تنفيذها، على النحو المبين في الدستور. ولرئيس الجمهورية أن يلقي بياناً حول السياسة العامة للدولة أمام مجلس النواب عند افتتاح دور انعقاده العادي السنوي. ويجوز له إلقاء بيانات، أو توجيه رسائل أخرى إلى المجلس”.
الجميع يعلم أن الرئيس السيسي مُقل في الذهاب إلى البرلمان، مكتفياً بعديد البيانات والكلمات المرتجلة التي يُلقيها في المناسبات العامة. لكن ما يُراد قوله أن المسؤولية هنا- وفقاً للمادة السابقة- تقع من الناحية الدستورية على الرئيس والحكومة معاً، إن لم تكن من الناحية الواقعية- في النظام السياسي المصري- واقعة على رئيس الدولة في مصر وحده، على الأقل من واقع تصريحات رئيس الوزراء والوزراء في كلمتهم الشهيرة “بناء على توجيهات الرئيس”.
محتويات التقرير المتوقعة
محتويات التقرير لا يجب أن تكون مجرد كلام مرسل، بل عبارات تحمل أرقاماً من واقع بيانات الأجهزة الرسمية المصرية كجهاز الإحصاء والبنك المركزي والجهاز المركزي للمحاسبات، وعديد البيانات الصادرة عن المؤسسات الدولية كالبنك الدولي وغيره من المؤسسات التي تطرح موضع ومكانة مصر في سلالم الخدمات والمؤشرات الاقتصادية الدولية المختلفة.
وحتماً يتوجب أن يبدأ التقرير بالملف الحقوقي، لكون هذا الملف هو من يفتح الباب أمام الملفات الاقتصادية والاجتماعية، ناهيك عن ارتباط الملفات الأخيرة بالملف السياسي منطقياً.
فمن لا يعتبر أن العدالة الاجتماعية ملف سياسي يتعامى عن أمور كثيرة متعلقة بالاستقرار السياسي وشرعية الحكم.
ومن لا يعتبر أن هناك علاقة طردية بين الملف السياسي وجذب الاستثمارات الأجنبية يتعامى أيضاً عن الكثير من فهم واقع العلاقة بين البيئتين الداخلية والخارجية.
من هنا، فإن تناول التقرير للمجال العام، واستقلال القضاء، وحياد الإعلام، وملف الحبس الاحتياطي، وحرية الأحزاب السياسية، وطبيعة المجتمع المدني، وشكل التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وحرية الرأي والتعبير، كل ذلك من الأمور المهمة كتوطئة ضرورية لتناول أمور كثيرة تتعلق بالكشف عن الإيرادات، والريوع الخارجية، والدين الخارجي منذ بدء التعامل مع صندوق النقد الدولي، وأحوال الضرائب، وغيرها.
وكذلك من المهم التطرق لبند النفقات، خاصة فيما يرتبط بالإنفاق على الدفاع والتعليم والصحة والمواصلات.. إلخ.
وبين كل ما سبق لا بد من التطرق إلى الإنتاج والتصنيع وأحوال الزراعة والأسمدة وتوافر مياه الري وسدود إثيوبيا المرتقبة واستصلاح الأراضي، وكذلك ملف الصادرات، وملف الغاز وموارد الطاقة بكافة تفاصيله.
إضافة إلى ذلك هناك ملف المشروعات الكبرى، وهل حققت العائد منها، وما تكلفة الفرصة البديلة التي خسرناها لو لم نقم بها.
أيضاً هناك ملكية الدولة، ووضع القطاع الخاص بين كل من قطاع الأعمال العام وملكية الأجهزة السيادية لتلابيب الاقتصاد المصري، كما سبق وأشار في العديد من المرات رئيس الوزراء وصندوق النقد الدولي.
لا شك أن الخدمات المتوفرة هي أحد أهم وسائل الرضاء العام، والجميع يعلم بغياب هذا الرضاء بسبب التضخم الكبير، والبطالة، وانخفاض الرواتب، وعدم تفعيل الحدين الأدنى والأقصى للأجور حتى بات عدم المساواة يُشكل فضيحة كبرى يالا ساحل نموذجاً. أخيراً وليس آخراً، سيرتبط التقرير تحديداً بمسألة الفساد، وحتمية الكشف عن منابع الفساد، وأداء السلطة في محاربته، وتفعيل أجهزة المحاسبة المالية والرقابة السياسية التي أصيبت بالشلل في البرلمان.
تناول التقرير للفرص البديلة
أبرز ما يجب أن يتناوله التقرير مسألة الفرصة البديلة، بمعنى لماذا تمت التنمية في مجال أسبق وأكثر من مجال آخر. بعبارة أوضح يجب أن يُجيب التقرير على السؤال التالي المثار شعبياً: لماذا تم تفضيل الحجر على البشر؟ وبشكل أكثر تحديداً لماذا كانت الأولوية للطرق والمواصلات على حساب التعليم والصحة؟
ومن الأسئلة المهمة التي يجب أن يتطرق لها التقرير في مسألة الفرص البديلة أيضاً، الإجابة على السؤال التالي: هل نجحت أم فشلت تجربة التعاون مع صندوق النقد الدولي، خاصة مع التكلفة الكبيرة للغاية المرتبطة بخدمة الدين؟
النطاق الزمني للتقرير
وبطبيعة الحال، من المهم لو كان التقرير يرتبط بشخص رئيس الوزراء أن يبدأ من وجود أول حكومة للدكتور مصطفى مدبولي، وأن يبدأ من الحكومة الأخيرة لو كان التقييم يرتبط بمؤسسة الحكومة ذاتها. أيضاً لو كان التقرير يرتبط بحقبة 30 يونيو 2013 فمن المهم أن يبدأ منذ الإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين الانتهازية حتى اليوم، ولو كان المراد تنفيذ الاستحقاق الدستوري للمادة 150 المتعلقة بمسؤولية رئيس الجمهورية والحكومة عن وضع السياسة العامة للدولة، أن يبدأ التقرير من العام 2014 عندما تولى الرئيس السيسي الحكم.
حتى اليوم لم يُعرف تحديداً أي أمور تنظيمية متعلقة بزمن التقرير، لذلك فالأمر يحتاج إلى توضيح قبل أن تبدأ الأقلام في رصد الملاحظات، أو قبل أن تستعد لتقييم التقرير أو كشف الحساب الصادر.
مناقشة التقرير
لا شك أن التقرير سيُطرح على المصريين، لذلك من المهم أن يُناقش بشكل عام في كافة الوسائل الرسمية وغير الرسمية.
رسمياً، سيكون مجلس النواب ومجلس الشيوخ أهم آليات المناقشة. ومن الناحية غير الرسمية، من المهم أن تستعد كافة القوى السياسية ذات الصلة لتناول التقرير بالنقد والحذف والإضافة والتعقيب لكل محامده ومساوئه.
هنا سيبرز دور الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية والأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات ومن في حكمها كنادي القضاة.. إلخ، للمناقشة والتعقيب والحوار البناء.
المهم في تلك المناقشات إجمالاً أنها ستكون وسيلة معتبرة لفتح المجال العام بشكل أكبر، لكونها سترد الاعتبار لحرية الرأي والتعبير، لكونها تطرح وجهات النظر المتباينة في العلن. ولذلك على واضعي التقرير أن يتحلوا بالصبر لمواجهة تحدي النقد، مع الاستعداد للرد، لأن السجال سيكون كبيراً وواسع النطاق.
فهل ستصدق الحكومة في طرح التقرير؟ وهل ستكون مستعدة للمناقشة؟ إن غداً لناظره قريب.
<p>The post الرئيس وكشف حساب الحكومة.. علامَ وكيفَ ولماذا ومتى؟ first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360