السعودية وتركيا وباكستان دفاعيا واقتصاديا.. اشدد عضدك بأخيك
وقّعت السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس 2026 “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، التي تنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا على الجميع، وتهدف إلى تعزيز الردع الجماعي وتطوير التعاون الدفاعي بجميع أوجهه، بما في ذلك الصناعات الدفاعية والمشاريع المشتركة، في سياق تصاعد التوترات الإقليمية الناجمة عن الحرب الأمريكية-الإيرانية.
وما لا يمكن تجاوزه كذلك، بالإضافة إلى القوة الدفاعية الهائلة للدول الثلاث مجتمعةً، هو ثقلها الاقتصادي التي يتجاوز 8.5 ترليون دولار بمعيار القوة الشرائية (PPP)، بما يجعلها مجتمعة تحل في المرتبة الرابعة بعد الولايات المتحدة والصين والهند، وهذا جانب ليس بالإمكان إلا الاهتمام به، فما أفرزته الحرب الدائرة -اقتصاديًا- كان صدمة عرض هائلة ليس فقط لاقتصادات الدول المحيطة بل عالميًا، ففي نهاية المطاف كل الدول بحاجة إلى صادرات المنطقة من الطاقة. وهكذا لا يمكن إهمال الجوانب والتداعيات الاقتصادية للاتفاق، فعند الحديث عن التعزيز الأمني فهذا مباشرة يصب في جانب إدارة المخاطر والتخفيف من تأثيراتها في حال وقوعها والتحوط منها في حال وقوعها -لا قدر الله- فكما هو معروف، تشكل التحديات الجيو-اقتصادية الناجمة عن هذه الحرب، وما أفرزته من تعطيل لمضيق هرمز واضطراب الملاحة في باب المندب، ضغطًا هيكليًا مباشرًا على اقتصادات المنطقة، فعلى الرغم من أن السعودية نجحت في تحويل جزء مهم من صادراتها عبر أنبوب شرق-غرب، إلا أن جزءًا كبيرًا من صادرات النفط السعودية كان لعقود يمر عبره، وأي انقطاع أو ارتفاع في مخاطر الشحن يترجم فورًا إلى زيادة في تكاليف التأمين والنقل، وانخفاض محتمل في الإيرادات النفطية، وتقييد للقدرة على تمويل برامج التنويع في رؤية 2030. في هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى الاتفاقية كمجرد ترتيب أمني، بل كآلية لإعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية وتقليل علاوات المخاطر التي تفرضها الأسواق على الاستثمارات والتجارة.
ومن الناحية التحليلية، يعمل الاتفاق على تحويل نقاط الضعف الجغرافية إلى مصادر قوة نسبية عبر تكامل القدرات، فالصناعة الدفاعية التركية المتقدمة في المجالات الجوية والبحرية توفر مسارًا لنقل التقنية وتوطين الإنتاج داخل السعودية، بينما تضيف الخبرة العملياتية والقاعدة التصنيعية الباكستانية قدرة على التسريع في تنفيذ مشاريع مشتركة. هذا التكامل يقلل من الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية المعرضة للانقطاع بسبب التوترات البحرية، ويحول جزءًا من الإنفاق الدفاعي من تكلفة جارية إلى استثمار رأسمالي يولد قيمة مضافة ووظائف نوعية تتطلب مهارات تخصصية، والنتيجة المتوقعة هي تعزيز القدرة على حماية المنشآت النفطية والمواني بتكلفة أقل نسبيًا على المدى المتوسط، مع دعم هدف توطين المشتريات الدفاعية الذي يشكل أحد محاور رؤية 2030.
وعلى مستوى التجارة، يكشف التحليل أن الاتفاق يخلق حوافز لتوسيع الروابط غير النفطية كتعويض جزئي عن مخاطر انقطاع الصادرات النفطية، فالتجارة مع تركيا، التي تجاوزت بالفعل مستويات مرتفعة وتستهدف نموًا كبيرًا، يمكن أن تتسارع في قطاعات البتروكيماويات واللوجستيات والطاقة المتجددة، مدعومة بمشاريع ربط بري مثل إحياء سكة حديد الحجاز التي توفر بدائل أقل عرضة للتهديدات البحرية. أما العلاقة مع باكستان، فتستفيد من استقرار إمدادات النفط السعودية مقابل تنويع أكبر في الصادرات الباكستانية ذات القيمة المضافة. هذه الديناميكية تقلل من تركيز المخاطر على الممرات البحرية التقليدية، وتعمل كآلية تأمين تجاري جزئي في بيئة جيوسياسية متقلبة. أما الاستثمار، فيبرز التحليل أن الاتفاق يخفض علاوات المخاطر السياسية التي يفرضها المستثمرون الدوليون في ظل إغلاق “هرمز” أو اضطراب “باب المندب”، فالوجود التركي والباكستاني كشركاء أمنيين يعزز الثقة في استمرارية المشاريع الكبرى داخل المملكة، ويفتح المجال أمام تدفقات رأسمالية سعودية نحو تركيا في مجالات الطاقة المتجددة ونحو باكستان في التعدين والزراعة والتقنية. والأهم، أن هذه التدفقات لا تقتصر على كونها فرصًا ربحية، بل تعمل كصمام استقرار يعيد توجيه رأس المال نحو قطاعات أقل اعتمادًا على الممرات البحرية المهددة، ما يدعم مسار التنويع الاقتصادي تحت ضغط صدمات العرض الخارجية.
أما في ما يتعلق برأس المال البشري، فتجدر الإشارة إلى وجود نحو مليوني عامل باكستاني في الاقتصاد السعودي ما يمثل أصلًا استراتيجيًا حاسمًا في استقرار الاقتصاد الباكستاني الذي تغذيه التحويلات المالية الكبيرة، إذ إن الاتفاق يعزز الثقة المتبادلة، فيقلل احتمالات انقطاع التدفقات العمالية أو ارتفاع تكلفتها نتيجة للتوترات الإقليمية، ويفتح المجال أمام برامج تدريب مشتركة ترفع مهارات العمالة لتلبية الطلب المتزايد في قطاعات البناء والسياحة والتقنية المرتبطة برؤية 2030. هذا التوافق بين العرض الباكستاني والطلب السعودي يعمل كآلية لامتصاص الصدمات، ويحول العمالة من مجرد مدخل إنتاجي إلى عنصر في شبكة الأمان الجيو-اقتصادية.
في المحصلة، يقدم الاتفاق استجابة تحليلية متكاملة للتحديات الناتجة عن الحرب واضطراب الممرات البحرية، فهو يعيد هيكلة المخاطر عبر تكامل القدرات الدفاعية والصناعية، ويخلق حوافز لتنويع التجارة والاستثمار بعيدًا عن الاعتماد الحصري على الممرات التقليدية، ويحافظ على استقرار رأس المال البشري كعنصر إنتاجي حيوي، غير أن فاعلية هذه الآليات في شقها الاقتصادي تظل مشروطة بقدرة الأطراف على تحويل الالتزام السياسي إلى مشاريع اقتصادية تنفيذية ملموسة في التصنيع والتجارة واللوجستيات وتطوير المهارات، بما يعزز القيمة المضافة للاتفاق الثلاث الدفاعي إلى منظومة اقتصادية تُثَبت وتقوي الاتفاق في مواجهة وتحييد الضغوط الجيو-اقتصادية المستمرة.
*مؤسس مركز جواثا الاستشاري
نقلاً عن “البلاد”
المصدر: العربية – سياسة




