السلاح لا يأتي وحده: كيف انتقلت سردية طهران إلى صنعاء؟
لم يعد التصعيد الإيراني صدىً بعيدًا يصل إلى خطاب الحوثيين من خارج حدود اليمن، ولا حدثًا إقليميًا تراقبه صنعاء من وراء حجاب. مع الوقت، أخذت جبهات طهران تترك أثرها الواضح في تعريف الحوثيين لخصومهم، حتى بدت جغرافيا العداء في خطاب الجماعة وكأنها تتمدد كلما اتسعت دوائر المواجهة حول إيران.
لكن التحول لم يبق حبيس الشعارات والبيانات السياسية. فقد رافقه تغير ملموس في طبيعة الجماعة نفسها وفي قدراتها العسكرية. أشارت تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المعني باليمن إلى “انتقال الحوثيين من جماعة مسلحة محلية محدودة القدرات إلى تنظيم يمتلك قدرات تشغيلية تتجاوز بدرجة كبيرة الأراضي الخاضعة لسيطرته”. كما تناولت التقارير أشكال الدعم الخارجي المقدّم للجماعة، بما في ذلك المعدات والمساعدة والتدريب من جانب فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، وحزب الله، وجماعات موالية لإيران في العراق، فضلًا عن أنماط من التنسيق العسكري خارج الأراضي اليمنية.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده ليس: من أين جاء السلاح؟ بل: ماذا جاء معه؟ فالسلاح لا يسافر وحده. حين تنتقل الصواريخ والتقنيات والخبرات، قد تعبر معها أشياء أقل ظهورًا وأكثر ديمومة: لغة الصراع، وتعريف الحليف والعدو، ومفردات الشرعية، والطريقة التي ترى بها الجماعة نفسها وإحداثياتها على خارطة العالم.
ومع مرور السنوات، يمكن لجماعة محلية أن تجد نفسها جزءًا من صراع يتجاوز حدودها الأصلية؛ لا لأن أحدًا محا عنها هُويتها المحلية، وإنما لأن المعارك الأكبر تبدأ بالتسلل إلى رؤيتها لذاتها، وإلى تحديدها لمن يقف معها ومن يقف ضدها. ومن هنا تبدو العلاقة الإيرانية الحوثية أكثر تعقيدًا من اصطفاف سياسي أو عسكري عابر. ما تشكّل تدريجيًا يُقارب مفهوم فضاء سردي مشترك.
في الأزمات الإقليمية الكبرى، تتداخل رسائل الحوثيين مع رسائل جماعات موالية لإيران في العراق ولبنان. تتشابه الأولويات والمفردات، وتتزامن الحملات في بعض الأحيان، ولا سيما في الخطاب الموجه ضد المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة وإسرائيل. وكأن منابر تفصل بينها آلاف الكيلومترات تدخل، في لحظات بعينها، غرفة صدى واحدة. اللهجات مختلفة، والساحات مختلفة، لكن الهيكل العميق للرسالة يصبح متطابقًا إلى حد يصعب تجاهله.
ولا يقتصر الأمر على تحديد الخصوم. فالإعلام الإيراني، ومعه منصات المحور الموالية له، أسهم في إعادة تقديم الحوثيين سياسيًا؛ من جماعة مسلحة وسلطة أمر واقع داخل اليمن إلى فاعل إقليمي يراد له أن يبدو جزءًا من معادلة أوسع. ويظهر ذلك في اللغة قبل أي شيء آخر. فعندما تتكرر تعبيرات مثل “حكومة صنعاء”، أو تستخدم عبارة “الحكومة اليمنية” في الإشارة إلى سلطة الحوثيين، أو تُقدَّم قوات الجماعة باعتبارها “القوات المسلحة اليمنية”، فنحن لا نقف أمام كلمات اختيرت اعتباطًا أو بمحض الصدفة.
في الحروب الحديثة، قد تسبق الأسماءُ الشرعية، وقد تبدأ المعركة على الدولة قبل أن تُحسم على الأرض. اللغة هنا لا تصف الواقع وحسب؛ إنها تهيئ العقل لقبول صيغة معينة منه. وحين تُسمى سلطة الأمر الواقع “حكومة” مرة بعد أخرى، وتُمنح جماعة مسلحة اسم القوات المسلحة لدولة كاملة، يبدأ التحول من مكان لا نكاد ننتبه إليه: الآذان المُصغية.
تسمع العبارة مرة، ثم تعود إليك. وبعد مرات كثيرة، تفقد شيئًا من غرابتها. وما كان مثيرًا للاستنكار في البداية يصبح مألوفًا، وما يألفه العقل يقل ميله إلى مساءلته. يعرف علم النفس جانبًا من هذه الآلية ب”تأثير التعرض المحض”، حيث يولّد تكرار التعرض قدرًا من الألفة. أما “تأثير الحقيقة الوهمية” فيذهب أبعد من ذلك؛ إذ يمكن للتكرار أن يجعل الادعاء أكثر قابلية للتصديق، لا لأنه أصبح صحيحًا، بل لأنه أصبح أسهل على العقل وأكثر ألفة لديه.
وهنا تكمن خطورة التكرار السياسي. تألف الأذن الكلمة، فيطمئن إليها العقل، ثم يتراجع السؤال عن أصلها ومعناها. ومن هذه المساحة الصغيرة في الإدراك قد تتسلل شرعية لم تمنحها صناديق الاقتراع، ولم يقرّها القانون، ولم تصنعها مؤسسات الدولة. شرعية تبدأ في الوعي قبل أن تسعى لتجسيد وجودها على أرض الواقع. وهذه ليست آلية جديدة. السرديات لا تنتصر دائمًا لأنها الأكثر صدقًا. أحيانًا يساعدها أن تكون الأكثر حضورًا والأشد تكرارًا. يتكرر القول حتى يألفه السمع، ثم يأتي يوم يقف فيه المألوف على عتبة الوعي مُتّشحًا بثوب الحقيقة. وتصبح المسألة أكثر خطورة عندما تغادر هذه المصطلحات منصات الإعلام الإيراني وإعلام المحور، وتنتقل إلى تغطيات دولية أوسع من دون استجلاء مراميها السياسية.
فالمصطلح الذي يبدأ أداة دعائية في وسيلة منحازة قد ينتهي، مع كثرة التداول، جزءًا عاديًا من قاموس الأخبار اليومية. لهذا لا تكون الكلمات في النزاعات أوعية محايدة للمعنى دائمًا. بعضها يرسم حدودًا في الوعي قبل أن تُرسم على الخرائط. وفي حروب السرديات، قد يبدأ الاستيلاء على المعنى قبل أن تكتمل السيطرة على الأرض.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم عودة المملكة العربية السعودية، مرة بعد أخرى، إلى قلب الخطاب الحوثي مع تبدل المشهد الإقليمي.
فالسردية حين تحتاج إلى عدو لا تضطر في كل مرة إلى استحداث مُعتدٍ جديد؛ أحيانًا يكفي أن تفتح أدراجها القديمة وتستدعي عدوًا جاهزًا. لذا عادت سرديات سابقة تجاه المملكة إلى الواجهة، لكن باتهامات جديدة ولغة أشد حدة. فالسعودية ليست مجرد خيار عابر أو طرف ارتبط بمرحلة عسكرية وسياسية محددة، بل أصبحت في الخطاب الحوثي عدوًا قابلًا للاستدعاء متى احتاجت التعبئة إلى جُرعة جديدة من الخطر. واللافت هنا ليس وجود خصومات سياسية وأمنية؛ فهذه معروفة ولها تاريخها وتحولاتها. الأكثر دلالة هو القدرة على إعادة إنتاج العداوة بمجرد انتفاء أسبابها السابقة، وصياغة أسباب بديلة حين تفقد الذرائع القديمة قدرتها على الحشد.
فالعدو، في مثل هذا الخطاب، لا يُستدعى دائمًا بسبب ما يفعله؛ يُستدعى بسبب الوظيفة التي يؤديها. تهدأ جبهة فتظهر الحاجة إلى أخرى. تسقط ذريعة، فتولد بديلة عنها. وحتى عندما تقترب لغة المصالحة والسلام، يمكن لخطاب الخطر الخارجي أن يعيد إلى المجتمع سريعًا شعور الحصار والاستنفار. في تلك اللحظة، يتحول العدو نفسيًا وسياسيًا إلى نوع من الرصيد التعبوي: مخزون من الترهيب يمكن السحب منه كلما احتاجت السلطة إلى رص الصفوف وشد أزر الجماعة أو إعادة ترتيب أولوياتها.
فالترهيب من عدو خارجي يأتي أكُلَهُ ثمارًا مضاعفة في الوعي الجمعي. لأنه يضيّق مساحة الاختلاف، ويجعل الأسئلة الداخلية أقل إلحاحًا، على الأقل لبعض الوقت. وعندما يطول هذا النمط، لا يعود العدو شخصًا أو دولة أو جبهة فقط؛ يدخل تدريجيًا في البنية النفسية للخطاب، وفي تعريف الجماعة لنفسها. وهذا يظهر الفارق بين منطق الجماعة المسلحة ومنطق الدولة.
فالمملكة العربية السعودية، في مواجهة ما يستهدف أمنها وسيادتها، أكدت حقها في حماية أراضيها وردع التهديدات الموجهة ضدها، وفي الوقت نفسه أبقت الاستقرار وإنهاء الصراع في اليمن جزءًا من رؤيتها لمستقبل المنطقة. والفارق يكمن في الجذور البنيوية لا في القشور اللغوية. فالدولة الراسخة لا تحتاج إلى الحروب كي تثبت وجودها. تستمد شرعيتها من ركائزها المؤسسية، وبنيتها الاقتصادية، ومسيرتها التنموية، وأمن مواطنيها، وقدرتها على بناء المستقبل. تستطيع أن تردع حينما يتوجب الردع، وتستخدم القوة عندما تفرض الضرورة، من دون أن تصبح القوة جوهر هُويتها أو تتحول الحرب شرطًا لبقائها. ولهذا لا يصبح السلام في منطق الدولة هدنةً قلقة بين حربين، بل غاية في حد ذاته. ويصبح الردع سياجًا لحماية هذا السلام، لا وقودًا يغذي أتون الحرب. وهناك فرق شاسع بين من يحمل السلاح كي يمنع الحرب، ومن يحتاج إلى الحرب كي لا يسقط السلاح من يده.
أما في السردية الحوثية، فإن أخطر ما في صورة العدو ليس دائمًا هُويته، بل ما تتيحه هذه الصورة للسلطة. فالعدو يُبرّر التعبئة العسكرية، ويُوحد صفوف الأنصار خلف قيادة موحدة، وينقل الأزمات الداخلية إلى ساحة المؤامرة الخارجية، ويُوفر تفسيرًا جاهزًا للفشل الاقتصادي. بل يمكن أن يجعل الاعتراض على السلطة نفسه اصطفافًا مع العدو. الأمر الذي يخلق معضلة حقيقية للحركة العقائدية عندما تتحول إلى سلطة.
فالثورات تستطيع أن تعد الناس بالغد؛ لكن السلطات تُحاسب على الحاضر. عندما تتحصن الجماعة المسلحة بعمق الكهوف في قمم الجبال، يمكنها أن تشرح للناس ضد من تقاتل ولماذا. لكن عندما تتمركز في قلب العاصمة، وتهيمن على المؤسسات والموارد، وتتحكم بمقدرات البلاد ومصائر ملايين العباد، تتغير طبيعة الأسئلة: ماذا أنجزتم؟ كيف أدرتم الاقتصاد؟ أين ذهبت الموارد؟ ماذا قدمتم للناس؟ ولماذا ينبغي لجيل جديد أن يرث الحرب نفسها التي استنزفت الجيل الذي سبقه؟
قد تكون هذه الأسئلة، بالنسبة إلى بعض الحركات المسلحة، أشد وطأة من صواريخ العدو. فالصاروخ يمكن الرد عليه بصاروخ، أما سؤال الناس فلا تُخرسه لغة السلاح إلى الأبد. ومن هنا يؤدي العدو الخارجي وظيفة أخرى شديدة الأهمية: يمنح السلطة فُرصة لتأجيل موعد الحساب مع الداخل.
بعد نحو اثني عشر عامًا من السيطرة على صنعاء، لم يعد السؤال الأساسي كيف وصل الحوثيون إلى السلطة؛ فقد أصبح ذلك جزءًا من التاريخ اليمني القريب… السؤال الذي يفرض نفسه الآن: لماذا تحتاج جماعة مسلحة تسيطر على العاصمة، وتدير مؤسسات، وتفرض سلطتها على ملايين اليمنيين، إلى مفردات الحصار والمؤامرة والمقاومة والعدو، وكأنها ما زالت حركة مطاردة في جبال صعدة؟
لقد تغير الحوثيون كثيرًا. خرجوا من كهوف الجبال إلى مؤسسات العاصمة. تطورت قدراتهم العسكرية من نطاق محلي إلى أدوات تستطيع التأثير خارج الحدود اليمنية. واتسعت اصطفافاتهم حتى باتت تمتد عبر البحر الأحمر والعراق ولبنان وصولًا إلى إيران. ومع كل هذا التغير، تغيرت خريطة العدو أيضًا. حين تراجعت حدة المواجهة المباشرة مع السعودية، احتلت إسرائيل مساحة أكبر في الخطاب. ومع المواجهة مع الولايات المتحدة، تقدمت واشنطن أكثر إلى واجهة السردية. وعندما اتسعت دائرة الصراع حول إيران، أصبح الدفاع عن إيران وما يسمى ب”محور المقاومة” أكثر حضورًا في خطاب التعبئة.
ولا يحتاج ذلك بالضرورة إلى خطة مكتوبة في غرفة عمليات مغلقة. حين تتوالى بعض السلوكيات النمطية بنسق واحد عبر حقبة ممتدة، تتحول من قرار سياسي إلى عادة سياسية؛ ثم تصبح، بمرور الوقت، منهجًا للبقاء. وحين تتعلم حركة مسلحة أن تستمد جانبًا من معناها وشرعيتها من الصراعات، يصبح السلام أكثر تعقيدًا مما يبدو. لأن توقف الحرب لا يعني إسكات البنادق فحسب؛ بل يعني أيضًا فتح الباب أمام الأسئلة التي كانت البنادق تؤجلها. فالحرب تختبر صمود الحركات المسلحة، أما السلام فيختبر قدرتها على الحكم.
ربما لم يكن السلاح الذي وصل إلى صنعاء أخطر ما انتقل إليها؛ فالتهديد الأعمق يستتر فيما جاء معه: لغةُ صراعٍ تتجاوز الحدود، وخريطةٌ أوسع للحليف والعدو، وذهنيةُ حصارٍ تجعل العالم يبدو كسلسلةٍ لا تنتهي من الجبهات المفتوحة، ومع الوقت، لا يبقى العدو في خندق المواجهة؛ بل يتسلل إلى داخل بنية الهوية نفسها، حتى يصبح حضوره جزءًا من تعريف الجماعة لذاتها، ويغدو وجوده ضرورةً نفسية وسياسية؛ لأن الجماعة التي اعتادت أن تعرف نفسها بمن تقاتل، قد تجد صعوبة أكبر في معرفة نفسها حين يتوقف القتال.
وفي موجة التصعيد المقبلة، لا يكفي أن نسأل مَن سيكون عدو الحوثيين هذه المرة؟ فالسؤال الأعمق هو: حين تتغير معارك طهران، إلى أي مدى تتغير معها معارك صنعاء؟ بيد أن السؤال نفسه يقود إلى ما هو أبعد منه: إذا كان العدو يتبدل كلما تبدلت الحرب، فهل تكمن المشكلة حقًا في هُوية العدو… أم في الحاجة المطلقة لوجوده؟
المصدر: العربية – سياسة



