السلام العالمي إلى أين يمضي؟
إلى أين يمضي عالمُنا المعاصر، أهو في طريق السلام والوئام، أم يسير على درب الخصام والحروب؟
علامة استفهام مثيرة، تفرضها الأحداثُ الجِسام، لا سيّما منذ قيام روسيا بعمليّة عسكريّة واسعة النطاق في أوكرانيا في شهر فبراير/ شباط من عام 2022، وبعدها ما جرى في غزّة، ثمّ جنوب لبنان، مرورًا بالعديد من الأزمات العسكريّة في إفريقيا، وأميركا اللاتينيّة، والمخاوف من أن ينفلش المشهد في بحر الصين الجنوبيّ، أو منطقة الإندوباسيفيك وصولًا إلى الصدام المُسَلَّح بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وإسرائيل مع إيران.
في هذا السياق ينتظر العالم سنويًّا قراءةً تصدر من ألمانيا تُعْرَف ب”تقرير السلام الدوليّ”، يُصدره مركز بون الدوليّ لدراسات النزاعات، ومعهد أبحاث السلام والسياسة الأمنيّة بجامعة هامبورغ، ومعهد التنمية والسلام بجامعة دويسبورف–إيسن، ومعهد لابينز لأبحاث السلام.
منذ العام 1987، تستخدم أبرزُ معاهد أبحاث السلام والنزاعات في ألمانيا هذا التقريرَ، من أجل تحليل النزاعات الدوليّة الراهنة، وتحديد اتّجاهات السياسة الخارجيّة والأمنيّة والتنموية، وتقديم توصيات سياسيّة واضحة. ويكتب فصول التقرير فرقٌ متعدّدة التخصّصات من المؤلّفين، الذين يسهمون بوجهات نظرٍ متنوّعة.
ماذا عن أوضاع السلام العالميّ في العام 2026 كما تضَمَّنها التقرير الأخير؟
في الثامن من يونيو/ حزيران الجاري، تمّ تقديم التقرير من المعاهد عالية القيمة الواردة أعلاه. ومن أسفٍ، فإنّ حالة النظام الدوليّ لا تُبَشِّر بالخير، إذ يوضّح كيف تنتهك الدول القانون الدوليّ وتلجأ بشكلٍ متزايد إلى العنف لفرض مصالحها.
في الوقت عينه، تواجه ركائزُ حفظ السلام الدوليّ، كالأمم المتّحدة والتعاون الإنمائيّ، أزمةً جوهريّة، كما تحدث التقنيات الحديثة تحوّلًا في أساليب الحرب والحَدّ من التسَلُّح.
وبالدخول إلى العمق من التقرير، نكتشف أنّ القوّة العسكريّة أصبحت أداةً أساسيّة في السياسة الدوليّة، إذ لاحظوا أنّ الحكومات تتصرّف كرواد الحرب، متجاهلةً القواعد الدوليّة، وتستخدم القوة لفرض مصالحها السياسيّة والاقتصاديّة والإقليميّة.
تشير الفترة بين عامَيْ 2021و 2024 إلى أنّها المرحلة الأكثر عنفًا منذ نهاية الحرب الباردة، وفقًا للتقرير، فإنّه في تلك الفترة سَجَّلَتْ 61 نزاعًا مسلَّحًا شاركت فيه دولةٌ واحدة على الأقلّ في 36 دولة، عطفا على ارتفاع عدد النازحين في جميع أنحاء العالم إلى أكثر من 120 مليون شخص في أبريل 2025.
يَعِنُّ لنا هنا أن نتساءل عن الأسباب الحقيقيّة الرابضة خلف بيانات تقرير السِّلْم العالميّ، وكيف تتبَخَّر أحلام التنمية المستدامة، طالما هناك حروب طافية على وجه المياه؟
يمكن بداية الإشارة إلى غياب الدور الجوهريّ للأمم المتحدة، والتي نشأت بهدف رئيس هو منع الحروب واشتعالها، لا سِيَّما بعد أن خَبَرَ العالمُ مرارةَ الحرب الكونيّة الثانية.
لكنّ الواقع الأليم اليوم يخبرنا بأنّ الأمم المتّحدة تعاني من أزمةٍ هيكليّة عميقة، فالتنافس بين القوى الكبرى يعيق عمليّات صنع القرار الرئيسيّة، لا سِيَّما في مجلس الأمن. وفي ذات الوقت، تقوض تخفيضات التمويل والأطر السياسية المتنافسة سلطة الأمم المتحدة.
هل انتهى عصر الأمم المتّحدة وباتت قيمة زائدة عن الحَدّ كما يقال في علم الاقتصاد؟
بالقطع لا، إذ تظلّ هناك حاجة لمؤسّسة كونيّة كبرى، يجتمع تحت سقفها مندوبو دول العالم، لكنّ الأمر يحتاج إلى مزيدٍ من العصرنة إن جاز التعبير، بحيث تكون قادرةً على مواكبة أزمنة الثلاثيّ المخيف حقًّا: الذكاءات الاصطناعيّة، والحوسبة الكموميّة، عطفًا على الرقائق المعدنيّة، تلك الكفيلة بتغيير العالم وتبديل أوضاعه.
يفتح لنا التقرير طريقًا أمام الجواب عن سؤالٍ مصيريّ يهمّ سكّان الكوكب الأزرق: “ماذا يجري عندما يغيب السلام وتنتشر الحروب على سطح الكرة الأرضيّة؟”
الجواب، بدون تطويل مملّ أو اختصار مُخِلّ، يتمحور حول تفاقم أزمات الغذاء بدايةً من جَرَّاء توقُّف سلاسل الإمداد العالميّة، وما حدث من أزمة تفَشِّي جائحة كوفيد 19، بَيَّنَ للعالم كيف أنّ سلّة الغذاء العالميّة باتت في خطرٍ، وبخاصّة في ظلّ دول تحقّق الوفرة، وأخرى تعرف العوز.
مع الحروب تنتشر حكمًا المجاعات، وتتَفَشَّى الأمراض والأوبئة، والأخيرة تنقسم إلى نوعين: أوبئة جسديّة وأوبئة عقليّة، وقد تكون الأخيرة هي الأخطر، ذلك أنّها تفتح الدروب لدوّامة “سيزيفيّة” من الانتقام المتبادَل عبر العصور والأزمنة، ذلك أنه حين تسيل الدماء تتعَذَّر المصالحة.
والثابت كذلك أنّه من بين انعكاسات غياب السلام وشيوع وذيوع الحروب، تأتي قضيّة غياب المساعدات الإنمائيّة الدوليّة، والتي تحاول استنقاذ الكثيرين لا سيّما في المواقع والمواضع العالميّة الأشدّ فقرًا وبؤسًا.
هذا الغياب يدفع في طريقَيْن لا ثالثَ لهما: زيادة معدّلات الجريمة والتطرّف بكلّ أنواعها، بما في ذلك الإيديولوجيّ والدوغمائيّ دفعةً واحدة، هذا من جهةٍ، ومن جهة تالية، تمدُّد ظاهرة الهجرة غير الشرعيّة خارج الحدود الوطنيّة، وعلى غيرِ المُصَدِّق أن يرفع عينَيْه ناحية القارة الإفريقيّة، وهناك يجد أمثلةً كثيرة على هذا الواقع الحياتيّ المؤلم قولًا وفعلًا.
يأخذنا التقرير إلى قضيّة مفاهيميّة عميقة: “هل غياب الحرب ووقف إطلاق النار، هما المكافئ الموضوعيّ لسيادة أجواء السِّلْم العالميّ؟”
يؤكّد التقرير على أنّ وقف إطلاق النار وحده لا يضمن السلام، فالحلول المستدامة تتطَلَّب ضمانات أمنيّة موثوقة، وترتيبات تتوافق مع القانون الدوليّ، ونهجًا منضبطًا في التعامل مع العقوبات، وإرساء هياكل دولة مستقرّة، ويتجَلَّى ذلك في الحروب الدائرة في أوكرانيا وغزة وسوريا. ولتحقيق سلامٍ مستدام يجب إدراج تدابير نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، فضلًا عن إعادة الإعمار، في المفاوضات منذ بداياتها، وكي لا يتمّ ترك جيوب أو ثغرات تعود بالجميع إلى المواجهة المُسَلَّحة مرَّةً جديدة.
على أنّ أحد أهمّ الأسئلة التي يطرحها التقرير تدور في إطار العلاقة بين التقنيّات الجديدة وتفاقم أزمات الحروب وغياب السلام الأمميّ.. ماذا عن هذا؟
يمكن القطع بأنّ الابتكارات التكنولوجيّة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعيّ والأنشطة ذاتيّة التشغيل، عطفًا على القدرات السيبرانيّة والتكنولوجيّة الحيويّة، جميعها تدفع سباق التسَلُّح إلى حدود غير مرئيّة.
يمكن للقارئ أن يتأمّل ولو قليلًا في قصّة الطائرات المُسيَّرة، والتي غيَّرتْ شكل الحروب الحديثة بصورةٍ مذهلة، ذلك أنّه على زهد أثمانها، باتت تلعب دورًا مؤثِّرًا جدًّا في ساحات الحروب وبشكلٍ مخيف.
أمّا عن الدور الذي يمكن للذكاء الاصطناعيّ التوليديّ خاصّةً أن يلعبه في إطار العمليّات العسكريّة، فحَدِّثْ ولا حرَجَ، إذ يبدأ من عند تصغير العالم إلى رقعة شطرنج صغيرة، وصولًا إلى برامج عسكريّة ذاتيّة التشغيل، يمكنها أن تطلق نيران أسلحتها متى شاءت، ومن غير تدَخُّلٍ بشريٍّ، وهي نقطة الخلاف الشهيرة بين وزارة الدفاع الأميركيّة البنتاغون، وبين شركة أنثروبيك ذائعة الصيت، والتي رفضت مسألة تهميش الإنسان، وفتح الطريق أمام الروبوتات المعزّزة للحروب والمُقَلِّصة لفرص السلام فوق سطح البسيطة.
يغيب السلام اليوم من جَرَّاء المعلومات المزيّفة، والتي تدفع الأمم والشعوب للتناحر، وهي خسائرُ جانبيّةٌ، لثورة المعلوماتيّة ووسائل التواصل الاجتماعيّ.
السؤال الآن ما الذي تحتاجه إنسانيّتنا المُعذَّبة لإعادة اكتشاف أهمّيّة السلام؟
ربّما على الجميع مراجعة “مشروع السلام الدائم” للفيلسوف الألمانيّ الشهير “إيمانويل كانط”، إنْ أردنا الفِكاك من قَدَرٍ مقدور في زمن منظور.
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)