الطبعة الثانية لقانون العدول: هل يبرر « الاستعجال » الحكومي التضحية بجودة التشريع؟
تكشف مشاريع القوانين المدرجة في جدول أعمال مجلس الحكومة المنعقد يوم غد الخميس 2 يوليوز 2026 عن توجه نحو تسريع وتيرة الإنتاج التشريعي، ويتعلق الأمر بثلاثة مشاريع تطالها مسطرة استعجالية بالنظر إلى الأرقام التي تحملها وتَبدأ ب « 0 »، ويتعلق الأمر بمشروع قانون يتعلق بالإحصاء الوطني ومشروع قانون يتعلق بالمندوبية السامية للتخطيط يقدمهما وزير الداخلية، ومشروع قانون رقم 051.26يتعلق بتنظيم مهنة العدول، يقدمه وزير العدل.
وتُشكل هذه البرمجة السريعة في ظل نظام تشريعي معروف تاريخيا بالبطء والتأني، مُفاجأة للمهنيين، إذ لم يكد يجف مداد قرار المحكمة الدستورية رقم 263/26 م.د في الملف عدد 313/26، الصادر في 15 يونيو 2026 بشأن هذا القانون، حتى وجد العدول أنفسهم أمام طبعة جديدة طبختها الحكومة على درجة حرارة مرتفعة، مما يثير من جديد إشكالية الأثر السلبي لاختزال الزمن التشريعي على جودة النص.
ويعود مشروع قانون العدول إلى طاولة النقاش بعد أن أصدرت المحكمة الدستورية والذي قضى بمخالفة أجزاء من القانون المتعلق بتنظيم مهنة العدول رقم 16.22 للدستور، وبموجب إلزامية قرارات المحكمة الدستورية، عاد النص إلى نقطة الصفر ليولد مرة أخرى تحت رقم 51.260، الذي لايُمكن اعتباره مُجرد إجراء شكلي، بل يمثل مشروع قانون جديد بصيغة مسطرية مُعدلة تم فيها الاحتفاظ بالمقتضيات الدستورية السليمة مع تنقيح أو حذف المواد غير الدستورية، مما يثير إشكالية حول مدى احترام المعايير الإجرائية لتتبع التعديلات من قبل مختلف الشركاء المؤسساتيين.
وتكمن المفارقة في هذه السرعة، في وصف الحكومة لمشروع القانون المطعون في دستوريته بأنه يكتسي أهمية خاصة، وذلك وفق ما جاء في البلاغ الصادر عقب انعقاد مجلسها المنعقد بتاريخ 20 نونبر 2025، بينما تتطلب الحكامة التشريعية الجيدة احاطة المَشَاريع ذَات الأهمية بأعلى درجات الفحص والتمحيص، وهنا يمكن استدعاء مقتضيات المادة 19 من القانون التنظيمي المُتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة، والتي جعلت من دراسة الأثر آلية لتحسين جودة النصوص عبر تقييم انعكاساتها القانونية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية والبيئية.
وإذا خوّلت هذه المادة لرئيس الحكومة سلطة تقديرية في تفعيل هذه الدراسة، فإن تسريع وتيرة الإنتاج التشريعي والإحجام عن استخدام هذه الدارسة في مشروع قانون أثارت طبعته الأولى جدلا، يطرح أكثر من علامة استفهام حول عدم الاهتمام بأثر قانون العدول على الأمن التعاقدي.
وعلاقة بما سبق، فإن تسريع وتيرة الإنتاج التشريعي ستتعرض لانتقادات لاذعة تتعلق بمدى الالتزام الحكومي بالمقاربة التشاركية التي كرسها دستور سنة 2011، حيث سيتجدد السؤال عن أسباب عدم عرض الطبعة الجديدة على المهنيين قبل إحالتها على المجلس الحكومي، كما يمتد السؤال إلى مَدى استيعاب الطبعة الثانية لقانون العدول، توصيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الصادرة قبل أسابيع وتوصيات مجلس المنافسة المرتقب صدورها خلال الأيام المقبلة بالنظر إلى تأثير القانون على خدمات التوثيق.
وأعيد في هذه المقالة السريعة تعليقا على البرمجة السريعة للطبعة الثانية لقانون العدول، اثارة مفارقة سياسية تثير الانتباه، فوزير العدل الحالي، السيد عبد اللطيف وهبي، كان في عهد ولايته البرلمانية السابقة من أشرس المدافعين عن ضرورة إرفاق مشاريع القوانين بدراسات الأثر، معتبرا في مواقفه آنذاك أن غيابها ينتج نصوصاً جامدة ويقوض جودة النقاش البرلماني، ليجد نفسه اليوم مسؤولا عن نص يُمرر بسرعة فائقة تسابق الزمن الحكومي والبرلماني مع اقتراب اختتام آخر الدورة الربيعية الحالية وإسدال الستار عن الولاية التشريعية الحادية عشرة (2021-2026).
إن هذه السرعة لن تسهم في تحصين النص الجديد من أي طعن، إذ إن إعادة تقديمه في طبعة ثانية مزيدة ومنقحة في ضوء قرار المحكمة الدستورية، بعد تعديله لا تمنع الجهات المنصوص عليها في الدستور من إحالته على القضاء الدستوري، ذلك لأن لنصوص القانونية التي تنظم الحقوق والمهن والحريات ينبغي طبخها على نار هادئة، ذلك لأن القيمة الحقيقية للتشريع تُقاس بقدرته على تحقيق الأمن القانوني، وليس سرعة ولادته.
المصدر: اليوم 24