العقم عند الرجال… حين يصطدم الطب بوصمة المجتمع – برنامج « مسكوت عنه » على « اليوم 24 »
سلطت الحلقة الجديدة من برنامج « مسكوت عنه »، الذي تبثه قناة « اليوم 24 » كل يوم خميس على الساعة الثامنة مساء، الضوء على واحد من أكثر المواضيع الصحية والاجتماعية حساسية، وهو العقم عند الرجال، داعية إلى كسر الصمت المحيط بهذه القضية، والتخلص من الأحكام المسبقة، واعتماد التشخيص الطبي المبكر باعتباره المدخل الحقيقي للعلاج.
واستضافت الحلقة الدكتور مبارك الدوبلالي، أخصائي الأمراض الجنسية والذكورة والعقم، إلى جانب الأستاذ عبد الرحيم عنبي، أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط، حيث ناقش الضيفان الموضوع من منظورين متكاملين؛ طبي واجتماعي، مؤكدين أن تأخر الإنجاب مسؤولية مشتركة بين الزوجين، وليس عبئًا تتحمله المرأة وحدها كما يروج في كثير من الأوساط.
تأخر الإنجاب ليس عقمًا بالضرورة
أكد الدكتور مبارك الدوبلالي أن المفهوم الشائع للعقم يحتاج إلى تصحيح، موضحًا أن الطب لا يعتبر وجود مشكلة في الخصوبة إلا بعد مرور سنة كاملة من العلاقة الزوجية المنتظمة دون استعمال وسائل منع الحمل، من دون حدوث حمل.
وأوضح أن ما يطلق عليه الناس عادة « العقم » يكون في كثير من الحالات مجرد تأخر في الإنجاب، بينما لا يتم تشخيص العقم الحقيقي إلا بعد إجراء الفحوصات الطبية اللازمة واستكمال مراحل التشخيص، مشددًا على أن الكشف المبكر يرفع بشكل كبير فرص العلاج.
الرجل شريك في معادلة الخصوبة
وفند البرنامج الاعتقاد السائد الذي يحمل المرأة وحدها مسؤولية تأخر الإنجاب، إذ أوضح الدوبلالي أن الدراسات الطبية تؤكد أن أسباب العقم تتوزع بين الزوجين؛ فالعوامل المرتبطة بالرجل تمثل نحو ثلث الحالات، والعوامل المرتبطة بالمرأة ثلثًا آخر، فيما تعود بقية الحالات إلى أسباب مشتركة بين الطرفين.
كما شدد على ضرورة التمييز بين الخصوبة والقدرة الجنسية، موضحًا أن جودة وعدد الحيوانات المنوية لا يرتبطان بالضرورة بالرغبة الجنسية أو القدرة على الانتصاب، وهو خلط يساهم في ترسيخ العديد من المفاهيم الخاطئة داخل المجتمع.
الوصمة الاجتماعية… معاناة تتجاوز الجانب الطبي
من جانبه، تناول الأستاذ عبد الرحيم عنبي البعد السوسيولوجي للقضية، موضحًا أن المجتمع المغربي لا يزال يربط الإنجاب باستمرار النسب وإثبات الرجولة، وهو ما يحول العقم من مجرد حالة صحية إلى قضية تمس المكانة الاجتماعية للرجل.
وأشار إلى أن الضغوط الاجتماعية تبدأ منذ الأشهر الأولى للزواج، مع تكرار أسئلة العائلة والمحيط حول الإنجاب، قبل أن يلجأ البعض إلى الوصفات التقليدية أو زيارة الأولياء والرقية، في حين يتأخر اللجوء إلى الطبيب، رغم أن التشخيص الطبي هو الطريق العلمي لتحديد أسباب المشكلة.
وأضاف أن استمرار هذه الضغوط قد ينعكس سلبًا على العلاقة الزوجية، وقد يصل في بعض الحالات إلى الانفصال، بسبب النظرة المجتمعية التي تختزل نجاح الزواج في الإنجاب.
أسباب متعددة… ونمط الحياة في دائرة الاتهام
واستعرض الدكتور الدوبلالي أبرز الأسباب الطبية المؤدية للعقم عند الرجال، والتي تشمل الاضطرابات الهرمونية، والأمراض الوراثية، والالتهابات، وانسداد القنوات الناقلة للحيوانات المنوية، إضافة إلى الأمراض المنقولة جنسيًا التي قد تترك مضاعفات دائمة إذا لم تعالج في الوقت المناسب.
كما حذر من تأثير بعض العادات اليومية على الخصوبة، من بينها التعرض المستمر للحرارة المرتفعة، ووضع الحاسوب المحمول لفترات طويلة فوق الفخذين، والإفراط في استخدام الحمامات الساخنة، وارتداء الملابس الضيقة، لما لذلك من تأثير مباشر على حرارة الخصيتين وإنتاج الحيوانات المنوية.
وأشار أيضًا إلى أن نمط الحياة الحديث، بما يشمله من أنظمة غذائية غنية بالمواد الكيميائية والمبيدات، أصبح من العوامل التي تربطها العديد من الدراسات الحديثة بتراجع الخصوبة لدى الرجال.
تطور طبي يمنح الأمل
ورغم حساسية الموضوع، حملت الحلقة رسالة مطمئنة، إذ أكد الدكتور الدوبلالي أن التطورات التي عرفها طب الإخصاب خلال السنوات الأخيرة، جعلت أغلب حالات العقم قابلة للعلاج، سواء بالأدوية أو الجراحة الدقيقة أو تقنيات الإخصاب المساعد والحقن المجهري.
وأوضح أن هذه التقنيات أصبحت متوفرة داخل المغرب، مع ارتفاع نسب نجاحها كلما تم تشخيص الحالة مبكرًا، داعيًا الأزواج إلى عدم تأخير الاستشارة الطبية عند تأخر الإنجاب.
نحو تغيير النظرة المجتمعية
وفي ختام الحلقة، دعا الأستاذ عبد الرحيم عنبي إلى تجاوز الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالعقم، من خلال تضافر جهود المؤسسات الصحية والإعلامية والجامعات والمتخصصين في علم النفس والاجتماع، لنشر ثقافة صحية تستند إلى المعرفة العلمية بدل الأحكام المسبقة.
وأكد أن الانتقال من ثقافة اللوم إلى ثقافة الدعم النفسي والطبي يمثل خطوة أساسية لحماية الأسرة وتعزيز الصحة الإنجابية، مشددًا على أهمية إدراج التوعية بقضايا الخصوبة ضمن برامج الإرشاد الأسري والتثقيف الصحي.
المصدر: اليوم 24

