“العودة الأولى”.. ذاكرة الشركس السوريين التي لا تهزمها المنافي
بين صور المنافي القديمة وملامح العائدين إلى دمشق، نسج الفيلم الوثائقي “العودة الأولى” حكاية الشركس السوريين، مستعيدًا ذاكرة شعب حمل التهجير معه عبر الأجيال، دون أن يفقد لغته أو عاداته أو إحساسه العميق بالانتماء.
وخلال فعالية “ملامح من الذاكرة الشركسية”، التي أقامتها وزارة الثقافة في المكتبة الوطنية بدمشق وحضرتها عنب بلدي، مساء الأحد 24 من أيار، تحوّل عرض الفيلم إلى مساحة لاستحضار قصص النزوح والعودة، وفتح نقاش واسع حول الهوية الشركسية وتجربتها داخل الحكاية السورية.
الوثائقي، الذي أخرجه الصحفي أمجد الساري، وأعدته الصحفية سارة عابدي، لم يكن مجرد فيلم عن الشركس، بل بدا كرسالة شخصية مكتوبة بذاكرة شعب كامل عاش التهجير مرة بعد أخرى، حتى أصبحت الهجرة جزءًا من تاريخه العائلي، إلا أنه للمرة الأولى يعود لأرض تهجر منها.
أزمنة مختلفة ترصد محطات التهجير
على مدار 30 دقيقة، تنقّل الفيلم بين أزمنة مختلفة، من مجازر وتهجير الشركس من القوقاز في القرن التاسع عشر، إلى محطات النزوح الحديثة التي عاشها شركس سوريا خلال الحرب، وصولًا إلى لحظة العودة بعد التحرير، حيث اختلطت الدموع بالدهشة في شوارع دمشق القديمة.
ومن بين القصص التي حملها الفيلم، برزت شهادة مؤمن حاج بيرام، الذي اختصر مأساة أجيال كاملة بجملة واحدة: “كل جيل في عائلتنا لديه هجرة خاصة به”. فمن تهجير الأجداد بسبب الحرب الروسية، إلى الخروج من الجولان، ثم النزوح مجددًا خلال الثورة السورية، بدت الحكاية وكأنها سلسلة لا تنتهي من الاقتلاع والبحث عن وطن آمن.
عصام عابدي، شركسي من الجولان، تحدث عن الرحلة القاسية التي دفعته إلى مغادرة سوريا نحو تركيا مع عائلته مع بدايات الثورة.
ويصف في الفيلم كيف بدأ من الصفر في بلد جديد، محاولًا تعلّم اللغة والتأقلم مع واقع مختلف، قبل أن يجد في الجالية الشركسية هناك مساحة خففت عنه شعور الغربة.
وقال لعنب بلدي إن مشاركته في فيلم “العودة الأولى” جاءت لتوثيق رحلة تهجير عاشتها عائلته عبر أجيال متعاقبة، موضحًا أن مسار النزوح بدأ مع تهجير أجداده من القوقاز إلى تركيا، ثم انتقالهم إلى سوريا، قبل أن يُهجَّر والده من الجولان المحتل إلى الداخل السوري، ليعيش هو لاحقًا تجربة اللجوء مجددًا من دمشق إلى تركيا خلال سنوات الثورة السورية.
وأضاف أن الفيلم يروي هذه الرحلة بوصفها جزءًا من الذاكرة الجماعية للشركس والسوريين المهجّرين عمومًا، مشيرًا إلى أن العمل عُرض تزامنًا مع ذكرى تهجير الشركس، في محاولة لتسليط الضوء على معاناة هذا المكوّن السوري وما مرّ به من تهميش خلال العقود الماضية.
الشركس في سوريا كانوا محرومين سابقًا من إحياء مناسباتهم والتعبير عن هويتهم بحرية، في وقت كانت تُقام فيه فعاليات مماثلة في تركيا وروسيا، قال عابدي، معتبرًا أن مرحلة ما بعد التحرير منحتهم فرصة الظهور مجددًا كمكوّن سوري فاعل وشريك في إعادة بناء البلاد.
وفي حديثه عن طبيعة العلاقة بين الشركس وبقية السوريين، شدد على عدم وجود أي صعوبات في الاندماج، موضحًا أن المشكلة كانت تكمن في ضعف معرفة بعض المحافظات بالمجتمع الشركسي نتيجة تمركزهم في مناطق محددة مثل دمشق وحمص وحلب والجولان، ما يجعل مثل هذه الأعمال فرصة لتعريف السوريين أكثر بتاريخهم وثقافتهم.
وأضاء الفيلم على الذاكرة الجماعية المرتبطة بمجازر وتهجير الشركس في القرن التاسع عشر، وتحديدًا عام 1864، حين اضطر الآلاف إلى مغادرة القوقاز باتجاه تركيا وبلاد الشام وليبيا، وهي أحداث لا تزال حاضرة في الوجدان الشركسي حتى اليوم، ويُحيي الشركس ذكراها سنويًا في 21 من أيار باعتباره يومًا للحزن والذاكرة.
عادات لم يدثرها الرحيل
ولم يغرق الفيلم في المأساة وحدها، بل فتح نافذة واسعة على تفاصيل الحياة الشركسية بما فيها عاداتهم المتوارثة التي نجت من النسيان، من أطباقهم التقليدية وعادات الضيافة، إلى طقوس الأعراس القديمة، ومنها عادة “خطف العروس” التي كانت تتم قديمًا على ظهور الخيل، قبل أن تتحول مع الزمن إلى طقس رمزي يُمارس بالسيارات الحديثة.
كما استعرض الوثائقي المكانة الاستثنائية للمرأة في الثقافة الشركسية، حيث يُنظر إليها كرمز للسلام، إلى درجة أن تدخّلها بين المتخاصمين كان كافيًا لإيقاف أي نزاع فورًا احترامًا لها.
ومن أكثر اللحظات تأثيرًا، حديث الناشطة السورية الشركسية سيلين قاسم عن عودتها إلى سوريا بعد سنوات الغياب، واصفة شعورها وهي تمشي للمرة الأولى في أحياء دمشق التي كانت تعرفها فقط عبر الصور والإنترنت، مؤكدة أن العودة لم تكن مجرد رحلة جغرافية، بل استعادة لجزء مفقود من الروح.
وأوضحت لعنب بلدي أن تاريخ الشركس قائم على سلسلة طويلة من التهجير، بدأت من القوقاز باتجاه الدولة العثمانية، ثم الاستقرار في سوريا والجولان، قبل أن تتكرر المأساة مجددًا مع الحرب السورية، لافتة إلى أن قصص النزوح كانت حاضرة دائمًا في ذاكرة العائلات الشركسية وتناقلتها الأجيال باستمرار.
وأضافت قاسم، التي عاشت سنوات في الولايات المتحدة وكندا، أن البعد الجغرافي لم يقطع ارتباطها بالثقافتين السورية والشركسية، مؤكدة أن الفيلم حاول إيصال صوت الشركس الذين عاشوا خارج البلاد، والتعبير عن شعورهم تجاه العودة وإحياء الذاكرة الجماعية بعد سنوات الغياب.
كما شددت على أهمية إحياء “يوم الحزن الشركسي” بعد التحرير، باعتباره مناسبة لاستذكار الإبادة والتهجير اللذين تعرّض لهما الشركس في القرن التاسع عشر على يد القوات الروسية، والتي أسفرت عن مقتل وتهجير أعداد كبيرة من أبناء الشعب الشركسي.
وبيّنت أن المرحلة الحالية تتيح للمرة الأولى فرصة حقيقية للعمل على توثيق قصص الشهداء الشركس السوريين خلال الثورة السورية، معتبرة أن حفظ هذه الذاكرة ضروري لمنع تكرار المآسي وترسيخ حضور الشركس داخل السردية الوطنية السورية.
وحول توقيت عرض الفيلم، رأت قاسم أن العمل يحمل رمزية خاصة في مرحلة ما بعد التحرير، حيث بدأت المكوّنات السورية بالتعرّف إلى بعضها بصورة أوسع، مؤكدة أن السنوات الماضية شهدت محاولات لعزل السوريين عن بعضهم وتعميق الانقسامات بينهم، بينما تشكّل مثل هذه الأعمال مساحة للتقارب وفهم التجارب المشتركة التي عاشها السوريون.
تشكيل الذاكرة بصريًا
الفيلم لم يكتفِ بسرد الحكايات، بل حاول إعادة تشكيل الذاكرة بصريًا أيضًا، إذ كشف فريق العمل أن المشروع بدأ كمبادرة جامعية متواضعة عام 2023 في تركيا، قبل أن يتطور لاحقًا رغم ضعف الإمكانيات وصعوبة الوصول إلى الأرشيف، ما دفعهم لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لإحياء بعض المشاهد التاريخية بصريًا.
وخلال جلسة النقاش الذي أعقب العرض، دار حديث واسع حول معنى الهوية الشركسية، وكيف دفعت الثورة السورية السوريين للتعرّف على بعضهم البعض بشكل أعمق، خاصة في المنافي، حيث اكتشف كثيرون ثقافات سورية لم تكن تحظى بالاهتمام الكافي من قبل.
الصحفية السورية الشركسية سارة عابدي، شرحت لعنب بلدي أن فيلم “العودة الأولى” يتناول العادات والتقاليد الشركسية إلى جانب تاريخ التهجير الذي رافق المجتمع الشركسي عبر مراحل مختلفة، موضحة أن تسمية الفيلم جاءت تعبيرًا عن أول عودة يعيشها الشركس إلى مكان سبق أن هُجّروا منه قسرًا.
وأوضحت أن العمل بدأ تصويره عام 2023 قبل سقوط النظام، وكان الهدف منه في البداية التعريف بالمجتمع الشركسي وثقافته، إلا أن تطورات الأحداث وسقوط النظام السابق وعودة عدد من الشركس إلى سوريا، دفعت فريق العمل لاستكمال التصوير داخل البلاد وإضافة بُعد جديد للفيلم يوثّق لحظة العودة نفسها.
وأكدت أهمية توثيق الذاكرة الشركسية، مشيرة إلى أن غياب التوثيق الإعلامي سابقًا أسهم في ضياع كثير من تفاصيل التهجير والمعاناة التي عاشها الشركس، بسبب محدودية الأدوات الإعلامية في تلك الفترات.
وأضافت أن الحفاظ على هذه الذاكرة لا يهدف فقط إلى استذكار الماضي، بل إلى فهم التجارب السابقة والاستفادة منها في مواجهة أي تكرار محتمل للمآسي، معتبرة أن توفر أدوات التوثيق اليوم يضع مسؤولية كبيرة على عاتق الجيل الحالي للحفاظ على الرواية الشركسية ونقلها للأجيال المقبلة.
تسليط الضوء على المجتمع الشركسي
مخرج فيلم “العودة الأولى” أمجد الساري، أوضح لعنب بلدي أن العمل يسلط الضوء على المجتمع الشركسي بوصفه جزءًا أصيلًا من النسيج السوري، من خلال استعراض عاداته وتقاليده، إلى جانب تتبع محطات التهجير التي عاشها عبر التاريخ، وصولًا إلى تجربة اللجوء والعودة بعد الثورة السورية.
وأشار إلى أن الفكرة الأساسية للفيلم انطلقت من مفهوم “العودة”، موضحًا أن الشركس مرّوا عبر أجيال متعاقبة بسلسلة طويلة من الاقتلاع، بدأت من القوقاز عقب الإبادة والتهجير الجماعي الذي تعرّضوا له على يد روسيا عام 1864، ثم انتقالهم إلى مناطق مختلفة، قبل أن يعيش شركس سوريا تجربة نزوح جديدة خلال الحرب السورية.
وأضاف أن تسمية “العودة الأولى” تحمل دلالة رمزية عميقة، إذ تعبّر عن أول مرة يتمكن فيها الشركس من العودة إلى أرض هُجّروا منها، بعدما عرف تاريخهم المتكرر بالخروج القسري دون عودة، معتبرًا أن رجوع الشركس السوريين من تركيا إلى سوريا بعد التحرير شكّل لحظة استثنائية في ذاكرتهم الجماعية.
وأكد الساري أن الفيلم يسعى أيضًا إلى طرح سؤال الهوية والانتماء، خاصة لدى الأجيال التي وُلدت في المنافي أو عاشت تجارب تهجير متكررة، مشيرًا إلى أن تمسّك الشركس بإحياء “يوم الحزن الشركسي” سنويًا يعكس ارتباطهم العميق بأرضهم وذاكرتهم التاريخية، رغم مرور أكثر من قرن ونصف على التهجير الأول.
المزج بين السرد التاريخي والطابع الوثائقي
وحول الأسلوب الإخراجي، أوضح الساري أنه تعمّد المزج بين السرد التاريخي والطابع الوثائقي، لأن الحديث عن المجتمع الشركسي يتطلب العودة إلى الخلفية التاريخية لفهم الحاضر، مضيفًا أن هذا الدمج ساعد في خلق تسلسل بصري يبدأ من لحظة التهجير الأولى وينتهي بمشهد العودة إلى سوريا.
افتتاحية الفيلم صُورت في منطقة “كيفكين” بإسطنبول، باعتبارها أول نقطة وصل إليها الشركس بعد تهجيرهم من القوقاز، وفق تعبيره، موضحًا أن اختيار هذا المكان جاء ليشكّل بداية الرحلة البصرية للفيلم، التي تنتهي بالعودة إلى سوريا، في دائرة سردية تختصر تاريخًا طويلًا من المنفى والبحث عن الوطن.
يوم الحداد الشركسي أو يوم الحزن الشركسي: هو يوم الذكرى السنوية للإبادة التي تعرض لها الشركس من قبل القوات الروسية في 21 من أيار 1864، وخسارتهم أرضهم وقتل ما يقارب من مليون ونصف نسمة من أجدادهم وتهجير 90 % ممن بقي منهم على قيد الحياة تهجيرًا قسريًا مأساويًا عن أرض وطنهم الأم شمال القفقاس.
المصدر: عنب بلدي