القواعد الدستورية.. أولًا وأخيرًا!
رجوعما يعرفه ريفو عن الخبر
- تعد القواعد الدستورية الضمانة الحقيقية لصيانة المستقبل والتحول نحو جمهورية دستورية تلتزم بالفصل بين السلطات.
- يؤكد النص على ضرورة احترام الدستور وتجنب التلاعب به لضمان انتقال سياسي آمن وجاد.
- تعد عملية تأهيل المرشحين في الأكاديمية العسكرية قبل سنوات من الانتخابات إضعافا لشرعية الرئيس القادم.
- يتطلب الخروج من الأزمات الحالية توافقا وطنيا على بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة تعتمد على القانون.
“للدولة دستور وافقنا عليه.. ولن يمسه أحد”.
بدا ذلك الالتزام، بلغته الجازمة، داعيًا إلى تساؤلات وسجالات فيما قد يحدث قبل الوصول إلى نهاية الولاية الدستورية الأخيرة للرئيس “عبد الفتاح السيسي” في (2030).
لا توجد أية تقاليد حقيقية وراسخة، أو على شيء من الاحترام بقوة التراكم، لنقل السلطة في مصر.
هذه حقيقة لا يمكن إنكارها.
كل سيناريو محتمل ووارد.
إما أن يكون هناك تغييرا حقيقيا لفلسفة الحكم وأساليبه وفق قواعد دستورية نافذة في الحياة العامة، أو إنه الدوران في نفس الحلقة المغلقة حتى نجد أنفسنا أمام كارثة مروعة تدخلنا في الحائط مجددا.
إذا ما أردنا انتقالًا جديًا وآمنًا يستجيب لحقائق عصره وضروراته، ينهض بشعبه ويفسح المجال للمستقبل أن يتحرك، فإن حضور القواعد الدستورية ضروري وحاسم.
فكرة تأهيل المرشحين المحتملين لرئاسة الجمهورية لمدة (30) شهرًا في الأكاديمية العسكرية تطعن مقدمًا في شرعية الرئيس القادم، وتسمم البيئة العامة بأكثر مما هي عليه.
لا تكفي النوايا الحسنة لتبرير اصطناع قواعد لا دستورية في انتخاب رئيس الجمهورية.
الدستور هو الدستور.. والقواعد هي القواعد.
لا تترسخ الشرعيات على شعارات في الفراغ، أو على شاشات الفضائيات.
هل تحتاج مصر لاحترام القواعد الدستورية؟
هذا سؤال في الضرورات لا النوايا.
الإجابة: “نعم”.
أي إجابة أخرى، تعود بنا إلى المربع القديم بصيغة أكثر سوءًا.
التساؤل عن الأسماء المرشحة لتولي المنصب الرئاسي قبل أكثر من ثلاثة سنوات خروج عن الموضوع واستخفاف بحيوية المجتمع المصري وقدرته على إنتاج القيادات.
تجفيف المجال العام يحجب القدرات الكامنة في المجتمع، لكنه لا يفضي إلى إلغائها.
التساؤل نفسه طرح في سنوات “حسني مبارك”، كأن مصر قد نضبت من القيادات القادرة على الوفاء بمهام المناصب العليا.
لا أحد عاقل يطلب المغامرة بالمستقبل.
الضمانة الحقيقية أن يكون الرأي العام حاضرًا ومشاركًا في اختيار قياداته، لا أن يظل في مقاعد المتفرجين.
الهواجس لا تصلح لبناء أية قدرة على التقدم للمستقبل خشية أن يستلم مقادير البلد “مغرض” أو “خائن”.
دولة القانون هي الحكم.
“القواعد الدستورية” ضمانة حقيقية لصيانة المستقبل.
نحن في حاجة ماسة حقًا لـ”جمهورية دستورية” تلتزم القيم الأساسية لدستور (2014) في الفصل بين السلطات وتبادل السلطة بالوسائل السلمية وتوسيع الحريات العامة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
بصياغة أخرى، الاستجابة لطلب بناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، التي تبنتها ثورة “يناير” (2011)، دولة الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، دولة القانون والمواطنة وعدم التمييز.
بقوة الحركة إلى المستقبل سوف يتم التحول إلى “جمهورية دستورية” طال الزمن، أو قصر.
تحتاج مصر إلى رد اعتبار الدستور، إنفاذ فلسفته ونصوصه.
هذا هو المدخل الوحيد لأي حديث جاد عن جمهورية دستورية، أو عدم المس بالدستور.
معضلة مصر الحقيقية أن لها إرثين متناقضين في النظر إلى الدستور.
هي أول من أطلت في العالم العربي على الدساتير الحديثة، نصوصها وفلسفتها وأسس الحكم الرشيد وبدت تجاربها ملهمة.. وهي بالوقت نفسه من أكثر دول العالم تلاعبًا بالدساتير وانقلابًا عليها!
كان دستور (1923)، الإنجاز الأهم لثورة (1919)، غير أنه كان منحة من الملك “فؤاد الأول” بهدف احتواء الثورة الشعبية، وقد جرى إلغاؤه عام (1930) واستبداله بدستور آخر حتى عاد للحياة من جديد تحت ضغط الحركة الوطنية المصرية.
في ظل حكم يفترض أنه ملكي دستوري لم يتسن لـ”الوفد”، حزب الأغلبية الشعبية بلا منازع، أن يحكم البلد سوى لسنوات معدودة تزيد قليلًا عن عدد أصابع اليد الواحدة!
شهدت مصر في ذلك الوقت سلسلة من الانقلابات الدستورية أفضت تداعياتها إلى إطاحة النظام كله في (23) يوليو (1952).
بقوة التغيير وضروراته في عالم جديد ولد بعد الحرب العالمية الثانية حكمت مصر بـ”الشرعية الثورية”.
غابت الدساتير وحضرت الوثائق كـ”فلسفة الثورة” و”الميثاق الوطني” و”بيان 30 مارس”.
إثر هزيمة (1967) جرت مراجعات واسعة للأسباب التي أفضت إليها، حاكم “جمال عبد الناصر” نظامه في مراجعات دعت إلى التعددية الحزبية ودولة المؤسسات وتبدت أفكار تدعو إلى الانتقال من “الشرعية الثورية” إلى “الشرعية الدستورية”.
بعد رحيله بعام واحد في سبتمبر (1971) استفتى الشعب على دستور أطلق عليه “دستور مصر الدائم”، لكنه أخضع لتعديلات جوهرية أدخلت عليه في عهدي الرئيسين “أنور السادات” و”حسني مبارك” حتى جرى تشويهه بالكامل وتحول إلى ما يشبه “الخرقة”، قبل إلغائه إثر ثورة “يناير” (2011).
من أخطر التشوهات، التي نالت من روح ذلك الدستور وفلسفته، ما أدخله “السادات” في (22) مايو (1980) من تعديل عليه يسمح له بتمديد رئاسته دون سقف زمني!
لم يستفد “السادات” من ذلك التعديل المعيب فقد اغتيل بعد الاستفتاء بوقت قصير، فيما استفاد منه خلفه “مبارك”، الذي بقي على المعقد الرئاسي لثلاثين سنة متصلة، بل فكر في توريث الرئاسة لنجله الأصغر!
هذا ما يطلق عليه “دهاء التاريخ!”.
في (2007) أدخل “مبارك” تشوهات إضافية على الدستور تسمح بإجراء انتخابات رئاسية مباشرة، دون أن تمس الصلاحيات شبه المطلقة للرئيس، أو تضمن نزاهة الانتخابات.
هكذا مضت التلاعبات بالدساتير إلى آخر مداها دون أن يتعلم أحد شيئا من التجارب المريرة.
بعد ثورة “يناير” حاولت جماعة “الإخوان المسلمين” الانفراد بوضع الدستور، وإلغاء أية شراكة، وتحويل البلد كله إلى دولة دينية، غير أن محاولاتها أخفقت بفداحة، وولد دستورها ميتا.
كما أدخلت تاليا تشويهات أخرى نالت من صدقيته واحترامه.
الدستور موضوع توافق وطني، عقد اجتماعي له صفة الإلزام والاحترام، إذا ما جرى التلاعب به تخدش شرعيته.
الاختبار الحقيقي الآن، وليس بعد (2030)، إنفاذ الدستور وتوسيع المجال العام وإطلاق سراح المحبوسين ممن لم يتورطوا في عنف أو إرهاب على خلفية قضايا رأي.
هذه مسألة شرعية تمتد جذورها إلى ثورة “يناير” في طلب التحول إلى دولة مدنية ديمقراطية حديثة.
أول اشتراطات الجدية، الاعتراف بالأزمة المستحكمة الحالية، أسبابها ودواعيها، ثم التوافق على سبل الخروج من قيودها الغليظة وتبعاتها، التي تنذر بانفجارات اجتماعية ومخاطر جيو سياسية لا حدود لمدى خطورتها.
ما هو مطلوب الآن أوسع توافق وطني على التحول إلى “جمهورية دستورية”.
<p>The post القواعد الدستورية.. أولًا وأخيرًا! first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360