المحاكمة عن بعد وافتقار لحق الدفاع والمواجهة الجنائية
حينما أصدرت الحكومة المصرية قرارها الأخير بتحصيل رسوم على المحاكمات الجنائية عن بُعد، متمثلة في رسم ثابت لدخول المجال الافتراضي الخاص بالمحاكم، ثم رسوم عن كل جلسة، وكذلك رسوم أخرى للاطلاع على أوراق الدعوى، فهل تيقنت الدولة من أنها قادرة على تحقيق العدالة من خلال هذا النموذج المستحدث للتقاضي، أم أنها لم تستهدف سوى تحصيل المزيد من الرسوم القضائية، سواء تحققت العدالة أم لم تتحقق؟ كما أن هناك أمورًا يجب على الدولة توفيرها بشكل قاطع قبل أن تشرع في تنفيذ هذا النموذج من التقاضي، وأن يكون غرضها الرئيسي هو تحقيق العدالة الجنائية بشكل قاطع، قبل أن تبحث عن أن تكون العدالة وسيلة من وسائل الدخل في ظل التعثرات الاقتصادية التي تتعرض لها الدولة المصرية، بما لا يخل بمبادئ العدالة الجنائية، والتي أهمها توفير حق الدفاع بكافة مشتملاته، وأهمها المواجهة الجنائية.
يُعد مبدأ المواجهة من أهم ضمانات العدالة الإجرائية، إذ يقوم على تمكين كل طرف في الدعوى من الاطلاع على ما يقدمه الطرف الآخر من أقوال وأدلة، ومناقشتها علنًا، ويتحقق هذا المبدأ في الخصومتين المدنية والجزائية، لكنه يأخذ طابعًا أكثر صرامة في الإجراءات الجزائية؛ بسبب ما يترتب عليها من مساس بحرية الإنسان.
فالمواجهة في الإجراءات الجنائية تتعلق بحق المتهم في معرفة التُهم الموجهة إليه، ومناقشة الشهود، والاطلاع على الأدلة المقدّمة ضده، ولا يجوز الاعتماد على أي دليل لم تتح للمتهم فرصة مناقشته، حفاظًا على مبدأ المحاكمة العادلة، وتكمن أهمية المبدأ في كونه يُكرّس التوازن بين أطراف الخصومة، ويمنع تفرد أحدهم بالمعلومة أو السلطة، ويُرسّخ ثقة الأفراد بالقضاء.
ويمثّل مبدأ المواجهة صورة من صُوَر المبدأ الأعم وهو احترام حقوق الدّفاع، وما يقتضيه من مبادئ كحقّ الخصم في الاستعانة بمحام، وحقه في العلم التّام بعناصر الخصومة، والتزام القاضي بتسبيب حكمه، والحقّ في الطّعن.
فلا وجود لحقّ الدّفاع من غير احترام مبدأ المواجهة، فهل يضمن نموذج التقاضي عن بُعد تحقيق تلك الضمانات القانونية والحقوقية للمتقاضين؟
وقد أخذ المشرع المصري بهذا الاتجاه في قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025، فنظم إجراءات التحقيق والمحاكمة عن بُعد، ووضع لها عددًا من الضوابط والضمانات، غير أن الانتقال من قاعة المحكمة إلى البيئة الرقمية لا يثير مجرد مسائل تقنية أو تنظيمية، وإنما يطرح سؤالًا جوهريًا يتعلق بجوهر العدالة الجنائية: هل يمكن أن تتحقق المواجهة بين المتهم والدليل والخصوم، وأن يمارس حق الدفاع ممارسة فعلية، في غياب الحضور المادي أمام المحكمة؟
إذن فإن مشروعية التقاضي الجنائي عن بُعد لا ينبغي أن تقاس فقط بمدى سلامة الوسيلة التقنية، وإنما بمدى قدرتها على استيعاب الضمانات التي قررتها القواعد الدستورية والقانونية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وبمعنى أقرب إلى أي مدى يكفل تنظيم المحاكمة الجنائية عن بُعد في القانون المصري تحقيق المواجهة الفعلية وضمان حق الدفاع وفقًا لمقتضيات المحاكمة العادلة وحقوق الإنسان؟
وأنه لا ينبغي اختزال مبدأ المواجهة في مجرد حضور المتهم أمام القاضي أو سماعه لما يقدمه الخصوم، وإنما يرتبط المبدأ بإتاحة الفرصة الحقيقية للمتهم ودفاعه للعلم بعناصر الاتهام والأدلة القائمة عليه ومناقشتها والرد عليها، حيث تظهر أهمية المواجهة بصفة خاصة في مجال الأدلة القولية، إذ يكون للمتهم حق مناقشة شهود الاتهام والطعن في أقوالهم، كما يكون له الحق في تقديم شهود دفاعه ومناقشتهم، وفقًا للقواعد المقررة قانونًا، فالمادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية تكفل للمتهم، ضمن ضمانات المحاكمة العادلة، الحق في مناقشة شهود الاتهام أو أن تتم مناقشتهم، وكذلك استدعاء شهود النفي ومناقشتهم في ظل شروط المساواة، وبالتالي، فإن أي نظام إجرائي يحقق الاتصال التقني لكنه يحول دون ممارسة هذه الوظائف لا يكون قد حقق بالضرورة الغاية التي تستهدفها ضمانة الدفاع.
فإذا كان المتهم يستطيع رؤية القاضي وسماعه، ولكنه لا يستطيع التشاور مع محاميه بصورة سرية، فإن عنصرًا أساسيًا من عناصر الدفاع يكون قد تعرض للانتقاص، وإذا استطاع المتهم رؤية الشاهد على الشاشة، ولكنه لم يتمكن من مناقشته أو لم يتمكن دفاعه من اختبار أقواله، فإن مجرد الرؤية لا تكفي بذاتها لإثبات تحقق المواجهة، فالدفاع الفعال يفترض أن يستطيع المتهم أن يخبر محاميه بكل ما لديه، وأن يتلقى منه المشورة القانونية، دون خوف من اطلاع الغير على مضمون الاتصال، ولهذا، فإن وجود المحامي والمتهم أمام كاميرا واحدة أو وجودهما في بيئة تخضع للمراقبة لا يكفي لتحقيق هذه الضمانة.
ومن زاوية جديدة، فإنه إذا كان المتهم يستطيع رؤية القاضي وسماعه، ولكنه لا يستطيع التشاور مع محاميه بصورة سرية، فإن عنصرًا أساسيًا من عناصر الدفاع يكون قد تعرض للانتقاص، وإذا استطاع المتهم رؤية الشاهد على الشاشة، ولكنه لم يتمكن من مناقشته أو لم يتمكن دفاعه من اختبار أقواله، فإن مجرد الرؤية لا تكفي بذاتها لإثبات تحقق المواجهة، فهل تملك البنية التقنية المستخدمة في التقاضي عن بُعد وسيلة تضمن اتصالًا سريًا وفوريًا بين المتهم ومحاميه، دون أن يؤدي ذلك إلى تعطيل الجلسة أو كشف مضمون المشورة القانونية؟
وبالتالي، فإن أي نظام إجرائي يحقق الاتصال التقني لكنه يحول دون ممارسة هذه الوظائف لا يكون قد حقق بالضرورة الغاية التي تستهدفها ضمانة الدفاع، فلا تكون المحاكمة الجنائية عن بُعد مستوفية لمقتضيات المحاكمة العادلة لمجرد سلامة الاتصال التقني، وإنما بقدر ما يظل المتهم متمتعًا بذات الضمانات الجوهرية التي يكفلها له الحضور الوجاهي، وفي مقدمتها المواجهة وحق الدفاع وسرية الاتصال بالمحامي.
وقد أرست المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قاعدة مهمة، مؤداها أن مشاركة المتهم في المحاكمة عن طريق الاتصال المرئي لا تمثل- في ذاتها- مخالفة للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
إلا أنه يتعين التحقق، في كل حالة، من أمرين: أولهما أن يكون اللجوء إلى هذه الوسيلة محققًا لغرض مشروع، والثاني أن تتم مشاركة المتهم على نحو يتفق مع متطلبات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع المنصوص عليها في المادة 6 من الاتفاقية.
إذن فالتقاضي الجنائي عن بُعد لا تتعلق المسألة فيه بالانتقال من قاعة المحكمة إلى شاشة إلكترونية فحسب، وإنما تتعلق بإعادة اختبار بعض المفاهيم الإجرائية التقليدية في بيئة جديدة، وتظل الغاية هي تمكين المتهم من المشاركة الحقيقية في الخصومة الجنائية، ومواجهة الأدلة والشهود، والتشاور مع محاميه، وممارسة دفاعه بصورة فعالة ومستقلة. فهل البنية التحتية للعدالة المصرية تسمح بتحقيق تلك المبادئ والقيم القانونية والحقوقية والدستورية، التي لا تستقيم العدالة الجنائية دون تحقيقها، أم أن هناك تسرعًا في التقدم بتلك الخطوة قبل تحقيق مقتضياتها، ذلك بخلاف الغلو في المقابل المالي المطلوب، إذ لا يحق في المجمل أن يرتبط تحقيق العدالة الجنائية بمقابل مادي.
<p>The post المحاكمة عن بعد وافتقار لحق الدفاع والمواجهة الجنائية first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360