المذيع ودور “محامي الشيطان”.. حرفية أم انحياز؟
هل يصبح المذيع “حمساوياً” إذا طرح سؤالاً من وجهة نظر حماس؟ وهل يصبح إيرانياً إذا ناقش ضيفاً من زاوية الموقف الإيراني؟ وهل يعني دفاعه في السؤال عن وجهة نظر لا يتبناها شخصياً، أنه أصبح جزءاً منها؟.. قطعاً لا.
هنا تحديداً تظهر مهنية المذيع، أو ما يمكن تسميته “دور محامي الشيطان”؛ أي أن يتولى المذيع، في بعض الحوارات، تمثيل وجهة النظر الغائبة، وأن يطرح الأسئلة أو الاستفسارات التي كان سيطرحها الطرف الآخر لو كان حاضراً.
لنفترض مثلاً أن هناك حواراً على الهواء حول مستقبل قطاع غزة، وكان الضيف فتحاوياً أو مناصراً لنهج حركة فتح. من الطبيعي هنا أن يطرح المذيع أسئلة تعكس وجهة نظر حماس، أو أسئلة الشارع، أو مواقف وتصريحات الأطراف الأخرى. ليس لأن المذيع يتبنى أياً من هذه المواقف، وإنما لأنه يؤدي دوره في اختبار رواية الضيف ومساءلتها من زوايا مختلفة.
فهل يصبح المذيع حمساوياً؟ قطعاً لا.
وقِس على ذلك البرامج الحوارية الكبرى عندما يكون النقاش، مثلاً، حول مستقبل الميليشيات الإيرانية في المنطقة، ويكون الضيوف من دول مثل سوريا أو العراق أو لبنان أو اليمن، بينما يتعذر حضور ضيف إيراني في اللحظة الأخيرة، أو ينقطع الاتصال به، وهو أمر يحدث كثيراً في البرامج المباشرة.
هل يتوقف المذيع عن طرح الأسئلة التي كان سيطرحها أو المواقف التي يتبناها الضيف الإيراني؟
بالتأكيد لا.
هنا يأتي دور المذيع في تمثيل وجهة النظر الغائبة، وطرح الأسئلة التي يمكن أن يطرحها الطرف الآخر، حتى يكون الحوار متوازناً وقادراً على اختبار جميع الروايات.
وأعود وأسأل هنا، هل يعني ذلك أن المذيع أصبح إيرانياً؟ أو عضواً في الحرس الثوري؟ بالتأكيد لا.
المشكلة أن بعض المشاهدين، وأحياناً بعض العاملين في المجال الإعلامي، يخلطون بين “طرح السؤال وتبني الموقف”، وبين “مناقشة الفكرة والدفاع عنها”.
المذيع ليس مطالباً بأن يعكس رأيه في كل سؤال، بل أن يعرف كيف يختبر آراء ضيفه، وأن يضع أمامه الحجج المضادة، وأن يمنح الطرف الغائب مساحة للحضور من خلال الأسئلة.
وهنا تكمن إحدى أهم قواعد العمل الحواري: أن تكون محايداً لا يعني أن تكون بلا أسئلة، وأن تمثّل وجهة نظر ما في السؤال لا يعني أنك تتبناها.
بل ربما تكون المفارقة أن المذيع الأكثر مهنية هو الذي يستطيع أن يجعلك، خلال الحوار نفسه، تسمع حجج خصمك حتى لو لم يكن موجوداً في الاستوديو.
فالحوار الحقيقي لا يحتاج إلى مذيع يعلن موقفه، وإنما إلى مذيع يعرف كيف يجعل كل الأطراف حاضرة في الأسئلة، حتى عندما يغيب بعضها عن الشاشة.
وهذا هو ببساطة، دور “محامي الشيطان”، وهذا بالضبط ما يجعل الحوار حواراً.
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)