المواطن المتضرر الأول.. كيف يتأثر اقتصاد مصر بتطورات باب المندب؟
قبل عام، قال وزير الخارجية د. بدر عبد العاطي، إن مصر تكبدت خسائر تتجاوز 9 مليارات دولار، بسبب هجمات الحوثيين بالبحر الأحمر، لا سيما حركة المرو بقناة السويس التي قلت بنسبة 60% بسبب تلك الهجمات.
تزايدت التهديدات الحوثية أكثر بعد وصول الجماعة لباب المندب، والسيطرة على مناطق وجزر استراتيجية، حال ربطها مع بعضها تصبح تحت سيطرة أنصار الحوثي شبكة نفوذ تمتد من صنعاء حتى الساحل البحري، أي أنهم أصبحوا قادرين على استهداف السفن عن قرب.
لا يحمل القول بأن مصر أكثر دول العالم تأثرًا بالتطورات الأخيرة أي مبالغة، فالضرر يبدأ من تهديد الملاحة بقناة السويس، وصولا لاشتعال أسعار النفط، والضغط على الموازنة العامة للدولة، التي تعاني عجزًا وتحديات حتى قبل التطورات الأخيرة.
لماذا تتضرر الملاحة بالقناة؟
مع كل تقدم باتجاه المضيق، يصبح الحوثيون أقرب إلى تحويل قدراتهم الصاروخية والبحرية من أدوات بعيدة المدى إلى جزء من منظومة جغرافية متكاملة، تستطيع التأثير بشكل أو بآخر في البيئة المحيطة بالممر الملاحي.
لا يحتاج الحوثيون إلى إغلاق باب المندب بصورة كاملة حتى يتحقق التأثير، فالممرات البحرية لا تعمل فقط وفق معيار مفتوح أو مغلق، وإنما وفق مستوى المخاطر المرتبط بها.
مضيق باب المندب، يمثل الشريان الرئيسي للتجارة بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، ويحتل المرتبة الثالثة عالميا في التجارة الدولية بعد مضيقيّ ملقا وهرمز، وإذا كان هرمز يضغط على خُمس إمدادات النفط العالمية، فإن باب المندب يهدد 12% من التجارة الدولية.
تأتي تطورات باب المندب، في وقت تتجنب فيه غالبية شركات الشحن المرور بباب المندب وقبل ساعات، صرحت مجموعة عالمية للشاحنين بأن استئناف شركات النقل البحري لعمليات العبور عبر قناة السويس – بوتيرة متزايدة- يُعد “مخاطرة متهورة.
الإشكالية في الصورة الذهنية التي تم تصديرها للعالم بأن باب المندب غير آمن، حتى أن الشركات الصومالية تبحث إيجاد مسارات شحن بديلة؛ بسبب الاضطرابات والمخاوف الأمنية المحيطة بمضيق باب المندب ومضيق هرمز، وفرار آلاف اليمنيين إلى جيبوتي.
إذ رأت شركات النقل أن عبور المنطقة يتطلب تأمينًا أعلى، أو حراسة بحرية بصورة أكبر، أو تغييرًا في مسارات بعض السفن، فإن الأثر الاقتصادي يبدأ حتى حال عدم حدوث إغلاق رسمي عبر تهديد حرية الملاحة ورفع مستوى المخاطر والتكلفة المالية.
تأثير جديد على قناة تعاني أصلاً
تشير أحدث بيانات منصة “زينتا” العالمية إلى أن معدلات العبور عبر قناة السويس في شهري أغسطس وسبتمبر لا تزال أقل بكثير من أرقام شهر أغسطس 2023، التي سجلت متوسط سعة أسبوعية بلغت 931 ألف حاوية نمطية موزعة على 119 خدمة قبل اندلاع الصراع في الشرق الأوسط.
انخفضت تلك الأرقام لتصل إلى أدنى مستوى لها عند 70 ألف حاوية نمطية عبر 38 خدمة بحلول أغسطس 2024، ثم ارتفعت إلى 102 ألف حاوية نمطية عبر 50 خدمة بعد عام واحد.
أما التغيير الأكبر خلال العامين الماضيين فقد حدث هذا العام، حيث بلغ متوسط السعة الأسبوعية 213 ألف حاوية نمطية موزعة على 46 خدمة.
فعلياً، أصبح عدد أقل من السفن ينقل ضعف كمية البضائع، مما رفع المتوسط من 2,658 حاوية نمطية سفينة الواحدة إلى 4,957 حاويات.
تشير البيانات أيضًا إلى أن الخدمات الجديدة أضافت سعة قدرها 129,661 حاوية نمطية أسبوعياً في عام 2026، كما شهدت المسارات القائمة زيادة في السعة بمقدار 14,654 حاوية أسبوعياً، في حين قلصت شركات النقل الإقليمية سعتها بمقدار 33,817 حاوية أسبوعياً؛ وهو ما أسفر عن زيادة صافية قدرها 110,498 حاويات نمطية أسبوعياً.
هل يتأثر الاحتياطي وسعر الصرف؟
معروف أن قناة السويس أحد موارد النقد الأجنبي الأساسية في مصر بجانب السياحة والتصدير وتحويلات المصريين بالخارج، ما يثير تساؤلات حول مدى تأثر الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية.
مسئول مصرفي رفيع قال لـ”مصر 360″، إن تأثر الاحتياطي سيكون طفيفًا، لأن قناة السويس منذ اندلاع حرب غزة تعاني من تذبذب في الإيرادات، مضيفا أن الاحتياطي سجل أعلى مستوى على الإطلاق رغم تراجع إيراداتها.
سجل احتياطي النقد الأجنبي المصري مستوى قياسياً تاريخياً بنهاية شهر أغسطس 2026 ليصل إلى نحو 57.21 مليار دولار، ويغطي احتياجات البلاد الاستيرادية لأكثر من 8 أشهر، وهو معدل يتجاوز المعايير العالمية المتعارف عليها بضرورة تغطية الاحتياطي الواردات لمدة 3 أشهر على الأقل.
منذ تأزم الوضع في باب المندب عاود سعر صرف الدولار الأمريكي الارتفاع بمصر ليبلغ مستوى 51.40 جنيها للشراء مقابل 51.50 جنيها للبيع، وهو تحد جديد لاقتصاد مصر.
تؤدي كل زيادة بنسبة 1% في سعر الدولار مقابل الجنيه المصري لرفع معدل التضخم المحلي بنحو 0.2% ما بزيد من زيادة تكلفة الواردات وأعباء الموازنة العامة.
ارتفاع الدولار جاء مع تخارج العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي المصري ليسجلوا صافي بيع بقيمة 106 ملايين دولار، خلال تعاملات الخميس، والمال الساخن هو استثمارات تسعى وراء الفائدة المرتفعة وتتخارج بمجرد حدوث أي مخاوف بمنطقة بعينها.
ضربة جديدة لموازنة مصر
حينما وضعت وزارة المالية الموازنة الحالية، افترضت أن سعر برميل النفط لن يزيد على 75 دولارا للبرميل، لكن السعر حاليا كسر الـ 100 دولار ولامس مستوى 105 دولارات أي أعلى من مستهدف الموازنة بـ 30 دولارًا
تقديرات وزارة المالية، تؤكد أن كل دولار زيادة يكلف الموازنة العامة ما بين 4 و 4.5 مليار ات جنيه سنويًا، أي أن الزيادة الحالية في أسعار البرميل، تكلف الموازنة المصرية حوالي 105 مليارات جنيه.
دفعت التهديدات الحوثية التي أسفرت عن عدة هجمات استهدفت ناقلات سعودية في البحر الأحمر المشغلين السعوديين والغربيين إلى تحويل مسار الناقلات المحملة بالنفط نحو قناة السويس في مصر لتجنب المرور عبر مضيق باب المندب.
كما أجبرت التهديدات الحوثية للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب بعض ناقلات النفط التي تنقل الخام السعودي إلى آسيا على اختيار المسار الأطول بكثير، والذي يمر عبر قناة السويس والبحر المتوسط ثم يلتف حول قارة إفريقيا.
لكن وزارة الطاقة السعودية، أعلنت الجمعة، توقف ضخ النفط احترازيا بخط أنبوب “شرق- غرب” وهو شريان الطاقة السعودي الذي يحرر النفط من قيود مضيقي هرمز وباب المندب، إثر تعرضه لهجمات بالطائرات المسيّرة في منطقتي الرياض والمدينة المنورة، ويمتد خط “شرق-غرب”، المعروف باسم “بترولاين” على مسافة 1200 كيلو متر لنقل الخام من شرقي المملكة إلى ينبع على ساحل البحر الأحمر كحل بري لنقل النفط دون المرور بمضيق هرمز.
بحسب بيانات شركة “فورتيكسا” البريطانية لشحن النفط تحميلات ينبع بنحو 3.7 ملايين برميل يوميًا مطلع سبتمبر، مقارنة بنحو 3.2 ملايين برميل أغسطس، وكان ذلك الخط من أهم أدوات السعودية لتجاوز اضطرابات هرمز، والمحافظة على تدفق جانب من صادراتها النفطية إلى الأسواق العالمية.
ارتفاع التضخم.. سيناريو لا تتمناه الحكومة
ارتفاع النفط يمثل مشكلة ملحة للحكومة المصرية حاليا التي تستعد أصلا لتحريك أسعار المحروقات في سبتمبر وفاء لالتزاماتها مع صندوق النقد الدولي للوصول بأسعار البنزين والسولار لأسعار التكلفة بدون دعم.
رفع أسعار النفط يمتد إلى تكاليف الإنتاج والنقل والغذاء، ويشعل التضخم والأسعار التي يعاني منها المصريون منذ اتفاق الحكومة مع صندوق النقد، لا سيما أن قدرتهم على التكيف مع ارتفاع الأسعار تقلصت بشكل شديد مع تنازلهم عن الكثير من احتياجاتهم الأساسية.
دراسة لـ”سي آي كابيتال”، أحد أكبر بنوك الاستثمار ف مصر تكشف التأثير الحاد لارتفاع خام برنت على الأسعار بمصر فكل 10% زيادة في أسعار النفط ترفع التضخم 2.4% وتقفز بفاتورة واردات الطاقة المرتفعة أصلا منذ فصل الصيف مع ارتفاع واردات مصر من الغاز المسال.
مع زيادة أسعار النفط بنسبة 40% عن المستهدف بالموازنة وبافتراض استمرارها فترة أطول، فإن التضخم في مصر بحسابات سي أي كابيتال يقفز بنسبة 9% على أقل تقدير.
في مارس الماضي، رفعت وزارة البترول أسعار الوقود بنسبة 30%، مرجعة القرار إلى الظروف “الاستثنائية” التي تمر بها أسواق الطاقة حينها والتي تضمنت ــ بحسب البيان الحكومي ــ “الاضطرابات في سلاسل الإمداد، وارتفاع مستويات المخاطر، وزيادة تكاليف الشحن البحري والتأمين”، والتي أدت إلى بلوغ أسعار المنتجات النفطية “مستويات لم تشهدها أسواق الطاقة منذ سنوات”.
المبررات ذاتها تبدو حاضرة حاليًا وبقوة أكبر ما ينذر بخيار حكومي متوقع ومعتاد في مثل هذه التطورات، برفع أسعار المحروقات على أن يعقبه تصريحات لـ د. مصطفى مدبولي رئيس الحكومة يتحدث فيها عن استمرار تحمل الحكومة الجزء الأكبر من الأعباء عن المواطنين.
<p>The post المواطن المتضرر الأول.. كيف يتأثر اقتصاد مصر بتطورات باب المندب؟ first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360





