انسى بطن بقرة
يحكي خيري شلبي، بأسلوبه الشجي، كيف جمع العظام البازغة بعد بقّر الأوناش لحرمة مقابر حي قايتباي لتعبيد طريق الأوتوستراد في التسعينيات، يسرد هذه الحكاية البديعة الموجعة في «بطن البقرة» الذي أستعيده منذ إعلان الحكومة إزالة منطقة بطن البقرة في الفسطاط بالكامل وإجلاء سكانها إلى ألفي وحدة بـ«الأسمرات».
بدأت أعمال إخلاء بطن البقرة في 2021، بعدما صنّفتها الحكومة تصنيفًا خطيرًا «الدرجة الثانية ضمن المناطق غير الآمنة»، لكن التحوّل أتى بثماره سريعًا فخلال سنوات ارتفعت أبراج شاهقة هي نواة كمبوند «فسطاط فيو» الذي يُطل على متحف الحضارة والمكان الذي سيكون مستقبلًا «تلال الفسطاط». لكن بطن البقرة عند خيري شلبي منطقة أوسع من الشريط الضيق الذي ستراه في شارع الفسطاط نصفه منطقة الفواخير، وتُرص أبراج كمبوند في نصفه الآخر، بل نفخ فيها من روحه وسرده ليكون مدخلًا للكلام عن حياة البسطاء في أماكن مثل الفسطاط ومصر العتيقة، ومقابر وأحواش قايتباي حيث يعيش الأحياء وسط الأموات. وهي المنطقة التي تعلق بها منذ قادته الصدفة إلى ميكانيكي في قايتباي، بل كتب في «بطن البقرة» أنه مَدين لحوش الوقاد «لجوه الساحر وأشجار نبقه بكتابة أدبية ما كان يُتاح لها الخروج من الصدر إلا في جو كجوه وعزلة كعزلته. كما أني مدين له كذلك بمعرفة الكثير من أسرار المنطقة وخفاياها». حين دخلت حوش الوقاد، حدثوني عن تصوير «حرب الفراولة» هُنا، بل عرضوا عليّ التقاط صورة في الحمَام الذي ظهر في الفيلم، وكله بثمنه. لكن حين علموا بغرضي من الزيارة أبدوا تعجبًا، بالتأكيد السينما جذابة أكثر من الأدب، ثم تطور الإعجاب إلى إنكار، حين سألتهم بشكل واضح عن ظروف كتابة «بطن البقرة» وإقامة مؤلفه في حوشهم كما ورد في الكتاب. حتى التقط عم عاطف اسم خيري شلبي، فتذكره: «كنت بشوفه بيكتب في قهوة الغول». يحكي عم عاطف أن المقهى يطل على الجامع «المرسوم على الجنيه» يقصد السلطان قايتباي. وحين وصلنا إلى المقهى حدد الموقع الذي كان يجلس إليه، والموقع المفضل لجلوس عم أحمد السماك، بطل كتاب آخر لصاحب «بطن البقرة».
بالعودة إلى الكتاب، فإن مؤلفه قسّمه إلى ثلاثة أحياء: قايتباي، الباطلية [الباطنية]، الأزبكية، مازجًا الرواية بالجغرافيا واعتبره «جغراوية»، متحدثًا عن طبقات القاهرة، وكيف نشأت على أيدي الفاتحين والفاطميين وغيرهم، أو أماكن لم يعد لها وجود مثل الخليج المصري الذي رُدم وصار شارع بورسعيد، أو سور مجرى العيون الذي تهدم وهُدم وشُق فلم يعد ممكنًا تخيله كمجرى يرفع مياه النيل تجاه القلعة، وبرك اختفت مثل بطن البقرة التي كانت تقع قرب الفجالة ويغذيها الخليج المصري.
في طبقات هذه الجغراوية يستعيد شلبي فن الخطط، ويرصد تحولات المكان مع تاريخه وجديده مثل ظاهرة سكان القبور، أو فنون تجارة المخدرات قبل تطهير الباطنية، أو يهجو عمليات تطوير مثل تعبيد طريق الاوتوستراد، أو إنشاء كوبري الأزهر، فهو قبيح بحسب شلبي لأن مساره يحجب جمال مبنى البريد القديم في العتبة عن الناظرين، ملاحظات تبدو عتابًا مجحفًا إذا قورنت هذه الرتوش الرقيقة في ملامح المدينة مع قلّبها رأسًا على عقب الذي يحدث الآن.
بالتزامن مع هذه الكتابة، واظبتُ على حمل بطن بقرة خيري شلبي خلال جولات المشي بحثًا عن المكان الذي يحكي عنه، حتى تأكدت أن «بطن البقرة» صار أشبه بوثيقة أدبية أو شهادة على زمن آخر. فما بين يدي لا يشبه ما أراه مُطلقًا.
إذا بحثت من ناحية الملك الصالح، الذي يرسم خيري شلبي في ذهنك صورته كموقع قصر الشمعة الذي سكنه المقوقس حاكم مصر، فستجده تحول إلى موقع بناء من أول المنيل حتى مدخل الجيارة/ الفسطاط لأعمال تطوير المترو. وإذا أتيت من ناحية سور مجرى العيون، ستجد بواقي ورش إصلاح وتكهين السيارات والمقاهي، حتى تدور حول سور آخر لا يشبه مجرى العيون المُهدم في أغلبه، بل هو لامع شاهق، يبث الرهبة كأننا أمام قلعة عملاقة أو حصن كبير. لكن لم يفُت بُناة الحصن الجديد مراعاة أصل المكان وفصله فصممتُ الشبابيك على طراز الأرابيسك، كأن حسن النعماني مرّ من هنا، بالمناسبة سُمي هذا الكمبوند «أرابيسك».
جوار السور لا تزال هناك بيوت، أغلبها غاص في الأرض، مداخلها مادت بها الأرض وصارت مطمورة، سكانها ينتظرون مستقبلًا لا يشبه ماضيهم. ورش تصليح سيارات صُنعت أواخر السبعينيات، عَمرة للموتور أو نصف عمرة، حتى تكمل هذه السيارات المتهالكة حركتها بلوحات الترخيص القديمة، فسائقها يلّقط رزقه بتوصيل جيرانه بعيدًا عن رادار المرور، فهي لا تخرج إلى الشوارع الرئيسية لأنها سقطت من قيد المرور.
حول أرابيسك الكمبوند، ماضٍ نائم أفزعه التطوير، وهذه الكتابة لا تريد إزعاجهم بالأسئلة، يكفيهم ما هم فيه. بل طموحي الكلام عن بطن البقرة التي نعرفها والتي لا نجدها في هذه الجولات، ولكل أجَلٍ كتاب.
ــــــــ
حملت الكتاب متجهًا إلى نواة القاهرة الأولى والمدينة التي أسسها العرب تيمنًا بخيمة قائدهم عمرو بن العاص، صحبة المخرج والمصور، ماجد نادر، جاورنا جامع عمرو، وسرنا بمحاذاته فلمحنا على يسارنا المقابر، خففنا الوطء احترامًا، نتأمل الشواهد.
أشار ماجد إلى كتابة يميزها أسلوب خطّاط تشير إلى أن هنا رفات أحد شهداء الثورة، المبنى مُغطى برسوم مثل حمامة ترفرف أو علم مصر أو رموز أخرى تعبّر عن تقدير كان لمَن رحلوا في سبيل التغيير. ننشغل بمقابر الراحلين وقداسة الموت، حتى نصل إلى آخر الشارع فنجده مغلقًا بمعدات بناء وحين نصل إلى الساحة التي كانت تفضي إلى عزبة أبو قرن وغيرها وجدنا حفرة عملاقة. سابقًا كانت هنا ممرات ضيقة ننعطف بينها حتى نصل إلى العزبة، هذه الممرات صوّرها نادر خلال معاينات ما قبل تصوير فيلم «ورد مسموم»، لكن ما رأيناه أخطر تطور، لم يتبدل المكان أو يتقادم وإنما اختفى من الوجود.
هكذا رأينا ديارًا كنّا نمر بينها إلى الغرز، قفارًا بصوت أم كلثوم. أوناش وعمّال يعمقون الحفرة ويصبون أساسات مبنى ما، استخدم «ما» مرغمًا لأننا حين سألنا عمّا ينوون بناءه صارحنا العمال إنهم لا يعرفون. بل غمغموا بأن ما يحدث «تطوير»، صدقتِ يا ست، فعلًا سوف تلهو بنا الحياة.
ـــــــــ
في جولة أخرى، حاولت الدخول من المدخل الخلفي للعزبة من ناحية مسجد ومقام سيدي أبو السعود فوجدت بعض البيوت باقٍ، إذًا «المبنى ما» لن يأكل كل المنطقة. لكن هناك ما أخرى تتشكل هنا، حيث حرثت الأوناش الأرض لتؤسس مبنىً آخر، سيخصص للحرف اليدوية الخزفية مكملًا تحول كل الفسطاط إلى مركز عالمي لهذه الصناعة. الحمدلله مجمع الأديان لم يمسسه التطوير، بركاتك يا عدرا.
ــــــــ
مشهد الأوناش التي بقرت مدافن قايتباي في «بطن البقرة» والذي شغلني، وشغل مالك رابح، وكل من قرأ الكتاب، صار عاديًا مع تكراره خلال السنوات الماضية، بل أن كل بيت قاهري اضطر لنقل موتاه وأقلقنا راحة الراقدين استجابة لرغبات التطوير الجامحة. فلم تعد إزالة المدافن تستوقفني في الجولات، بل العكس هو ما حدث مع الإبقاء على مقبرتي حافظ إبراهيم ومحمد فهمي باشا، الأول شاعر النيل وتزين أشعاره البناء الشامخ الذي ترقد فيه رفاته، والأخير هو جد الممثل حسين فهمي، وحين سألت لمَ بقيتا لم أعرف السبب فاستمر العجب.
بخلاف ذلك، اعتدتُ رؤية عبارة مثل «تمّ رفع الموتى بالسكن» التي يرّشها موظفو الإزالة بسبراي كما الجرافيتي على جدران المقابر، ما يقتضي إزالة المقبرة المقصودة عاليها واطيها إيذانًا بتوسعة مرورية جديدة لصالح محور جديد لتسهيل حركة ساكني كمبوندات مثل «فسطاط فيو» أو حتى تستوعب القادمين للهو في تلال الفسطاط، والأخيرة ستكون حديقة تمتد إلى 500 فدان، وهو ما سيمنح القاهرة رئة جديدة، لكن سابقًا في الموقع نفسه كانت تتواجد رئة قديمة هي حديقة الفسطاط، ومنها خصصت محافظة القاهرة 20 فدانًا للتظاهر دون إخطار منذ 2013. حين كان تقنين/ منع التظاهر هو شاغل الحكومة وليس تطوير كل شيء لجلب الحبيب المستثمر.
ــــــــ
مثلما حاكى شلبي علم الخطط حتى يحكي عن المكان في لحظة تحول اعتبرها خطيرة، نرى خططًا أخرى تحوّله إلى مكان خالٍ من تاريخه، ناسه مُستبعدة، الأوناش تحرثه وتشكّل مستقبلًا خرافيًا جديدًا كله مولات وكمبوندات وتلال تُقام على أنقاض التاريخ، لا يشبه ما كتبه خيري ولا القاهرة التي نعرفها، فلا نعرف إن كنّا نمشي في أقدم المواقع التي شكّلت القاهرة التاريخية، أم ظهير الجيزة الصحراوي حيث تُقام مدينة جديدة مثل «زايد الجديدة». وفي المقابل تحولت جغرواية بطن البقرة إلى عمل فريد، يقدم خيالًا لا تراه العين خارج صفحاته، فرغم عنايته بوصف المكان بشكل تفصيلي صار كتابه مثل خطط المقريزي وصفًا لمكان تبدد تمامًا، مع أنه كُتب في منتصف التسعينيات وليس من مئات السنين، فصار خيالًا بعدما كنا نراه رأى العين ونمشي فيه، ولهذا لا أحد يحب الجنترة.
The post انسى بطن بقرة first appeared on Mada Masr.
المصدر: مدى مصر (عربي)






