بعد 36 عاماً من بناء الدولة
تمر ذكرى الغزو العراقي لدولة الكويت بعد ستة وثلاثين عاماً، لتؤكد أن التاريخ لا يُستعاد من أجل استحضار الألم بل من أجل ترسيخ الوعي واستخلاص الدروس التي تحمي الأوطان وتصنع المستقبل، فقد أثبتت الكويت أن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد بل بما تتمتع به من تماسك شعبي وشرعية دستورية وقيادة حكيمة، وعلاقات دولية راسخة، وقد جسدت تلك المرحلة واحدة من أبرز صور الوحدة الوطنية عندما التف الشعب الكويتي حول قيادته، ووقف المجتمع الدولي موقفاً تاريخياً دفاعاً عن الشرعية والقانون الدولي، لتتحول المحنة إلى نقطة انطلاق نحو إعادة الإعمار وتطوير مؤسسات الدولة وتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، واليوم وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود تبدو تلك الذكرى مناسبة لتجديد الإيمان بأن الاستقرار والأمن والسلام ليست شعارات بل مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب الوعي والعمل والالتزام بالمصلحة العليا للوطن.
لقد أثبتت تجارب العالم أن الدول التي تتعلم من أزماتها تصبح أكثر قدرة على صناعة مستقبلها، فاليابان استطاعت بعد الحرب العالمية الثانية أن تتحول من دولة خاضت حرب إلى واحدة من أكبر الاقتصادات العالمية بفضل الاستثمار في الإنسان والتعليم والتكنولوجيا، وألمانيا أعادت بناء اقتصادها ومؤسساتها لتصبح نموذجاً في التنمية والاستقرار الأوروبي، وهذه النماذج تؤكد أن قوة الدول لا تُبنى بردود الأفعال، بل بالرؤية الاستراتيجية والاستثمار في المعرفة وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، ومن هذا المنطلق تواصل دولة الكويت ترسيخ نهجها القائم على الاعتدال والدبلوماسية واحترام القانون الدولي مع الاستمرار في تطوير اقتصادها وتمكين شبابها وتعزيز دور المرأة، ودعم الابتكار، وتوسيع الشراكات الاقتصادية، وهي خطوات تعكس إدراكاً بأن الأمن الحقيقي لا يقتصر على حماية الحدود بل يشمل بناء الإنسان وترسيخ المؤسسات وصون الوحدة الوطنية ومواجهة الاشاعات وخطابات الانقسام بالوعي والمسؤولية.
إن أهم درس تقدمه ذكرى الغزو للأجيال الجديدة هو أن المحافظة على الوطن لا تكون فقط في أوقات الأزمات، بل تبدأ في كل يوم من خلال احترام القانون وترسيخ قيم المواطنة والتمسك بالوحدة الوطنية والإيمان بالحوار ودعم مسيرة التنمية، فالدول التي تنجح في المستقبل هي تلك التي تحول تجاربها الصعبة إلى قوة دافعة للإصلاح والتطوير، والكويت اليوم تمتلك من المقومات السياسية والاقتصادية والإنسانية ما يجعلها قادرة على مواصلة مسيرة الإنجاز بثقة، مستندة إلى تاريخها وإلى قيادتها وإلى شعبها الواعي، وإلى علاقاتها المتوازنة مع العالم، ولذلك فإن ذكرى الغزو لا ينبغي أن تكون مناسبة للحزن والأسى فقط، بل محطة وطنية متجددة لتعزيز الانتماء وغرس ثقافة الوحدة الوطنية والتعايش والمدنية وترسيخ أهمية الأمن والاستقرار، والإيمان بأن التنمية هي أقوى رسالة يمكن أن تقدمها الأمم التي انتصرت على التحديات، وأن دولة الكويت كما تجاوزت أصعب مراحل تاريخها قادرة على مواصلة بناء مستقبل أكثر ازدهاراً وأكثر أمناً، وأكثر حضوراً على الساحتين الإقليمية والدولية، لتبقى نموذجاً في الصمود والحكمة والعمل من أجل الإنسان والوطن.
ودُمتم سالمين،،،
*نقلاً عن “القبس“
المصدر: العربية – سياسة





