بلاستيك ذكي يتبخر بالحرارة.. ثم يعيد بناء نفسه من جديد
يعيش العالم اليوم أزمة حقيقية مع نفايات البلاستيك؛ فجزيئاته الدقيقة أصبحت موجودة حتى داخل أجساد البشر، ولم تعد هناك بقعة على كوكب الأرض بمنأى عن تلوثه، من قمم الجبال الأكثر وعورة إلى أعماق المحيطات، فيما تحوّلت “رقعة القمامة الكبرى” في المحيط الهادئ إلى معلم بيئي قائم بذاته يشهد على حجم المشكلة.
ويُعد “البولي إيثيلين”، وهو أكثر أنواع البلاستيك إنتاجاً في العالم والمستخدم في الأكياس وتغليف الأطعمة والأدوات المنزلية، أحد أبرز أسباب هذا التلوث، كونه صُمم أصلاً ليكون متيناً وطويل الأمد، ما يجعل التخلص منه أو إعادة تدويره أمراً بالغ الصعوبة.

لكن فريقاً من المهندسين الكيميائيين في جامعة سري البريطانية توصّل إلى ابتكار قد يفتح آفاقاً جديدة في هذا المجال، بحسب ما نشره موقع “ساينس أليرت” العلمي المتخصص، نقلاً عن دراسة جديدة نُشرت في دورية “ماكروموليكولز” (Macromolecules) العلمية.
فقد كشف الباحثون عن نوع غير مسبوق من البلاستيك يتحلل بسهولة إلى غاز عند تسخينه، ثم يعود -مثل طائر الفينيق الأسطوري- لينبعث من “رماده” ويعيد تشكيل نفسه من جديد.
السر.. رابطة تتفكك وتتحد
وقال الباحث بيتر روث، المهندس الكيميائي في جامعة سري، إن معظم أنواع البلاستيك التقليدية صُممت لتكون شديدة الثبات، وهو ما يجعلها صعبة التفكيك أو إعادة التدوير، وأضاف روث: “أثبتنا أنه من الممكن ابتكار مادة تتصرف بشكل مختلف تماماً؛ مادة قادرة على التحول إلى بخار عند درجة حرارة منخفضة نسبياً، ثم تعيد بناء نفسها تلقائياً لتصبح البوليمر نفسه من جديد”.

هذا وأُطلق على هذه المادة الجديدة اسم “بولي (1,2-ديثيولان)”، وهي عبارة عن سلسلة طويلة من جزيئات متكررة تحتوي على ذرتين من الكبريت مرتبطتين برابطة كيميائية قابلة للانفكاك والاتحاد من جديد بسهولة. وبحسب الدراسة، فإن هذه الخاصية تحديداً هي “سر” قدرة المادة على التحلل وإعادة التشكل بشكل متكرر.
إلى ذلك، شدد روث، في تصريحه على أن هذا الابتكار “ليس بديلاً للبلاستيك التقليدي، وبالتأكيد ليس حلاً لأزمة النفايات البلاستيكية عالمياً”، لكنه -بحسب تعبيره- “يطرح فكرة جديدة قد تُلهم جيلاً كاملاً من المواد القابلة لإعادة التدوير بكفاءة أعلى”.
90 درجة مئوية فقط
ويحتاج تفكيك البلاستيك التقليدي عادةً إلى تسخينه حتى 200 درجة مئوية تقريباً، وهي عملية قد تُنتج مركّبات ثانوية ملوّثة تحتاج معالجة إضافية، أما البوليمر الجديد فيتفكك عند 90 درجة مئوية فقط، منتقلاً مباشرة من الحالة الصلبة إلى الغازية دون المرور بمرحلة السيولة، وهي ظاهرة تُعرف علمياً ب”التسامي” (التبخر)، ووصفها الباحثون بأنها “أول مثال موثّق” لبوليمر يسلك هذا المسار.
ولاختبار الفكرة عملياً، غمس فريق البحث ورقة ترشيح في المادة السائلة، فتحوّلت أبخرة البوليمر إلى طبقة رقيقة عازلة للماء تغلّف الورقة بالكامل، ثم أزالوا هذه الطبقة بسهولة عبر إعادة تسخينها فقط، لتستعيد الورقة قدرتها على امتصاص الماء من جديد رغم تغيّر لونها الطفيف، أما البوليمر نفسه، فيعود للتصلب من جديد فور تبريده، جاهزاً لإعادة الاستخدام دون أي هدر.
فيما رأى الباحثون، أن هذا الأسلوب يمكن تطبيقه مستقبلاً على نطاق صناعي واسع، خاصة أن الطلاءات البوليمرية تدخل في صناعات متعددة، من عزل الرطوبة ومقاومة التآكل، إلى حماية الأجهزة المنزلية وخطوط تصنيع الأغذية ومقاومة العفن داخل المنازل.
تجربة الصبغة الحمراء
ومن أبرز التحديات التي تواجه معامل إعادة التدوير هي إزالة الأصباغ والمواد المضافة إلى البلاستيك، وهي عملية تتطلب عادةً معالجة كيميائية مكلفة، وبحسب ما ورد في التقرير، أثبت الباحثون أنه يمكن التخلص من هذه الإضافات بخطوة واحدة فقط، بعد أن “لوّثوا” عيّنة من البوليمر بصبغة حمراء تُعرف باسم “نايل ريد”، ثم أزالوها بالكامل بمجرد تسخين المادة.
لكننا لن نرى على الأرجح قريباً ألعاباً أو عبوات طعام مصنوعة من هذا البوليمر الجديد في الأسواق، فالتقنية ما زالت في مراحلها الأولى.
إلا أن الباحثين رأوا أن إمكاناتها تتجاوز التغليف، إذ قد تُستخدم بوليمرات مشابهة قابلة للتحلل الحيوي مستقبلاً في تطبيقات طبية، مثل المواد اللاصقة الجراحية، والعدسات اللاصقة النفّاذة للهواء المصنوعة من الهيدروجيل، وحتى جسيمات نانوية لتوصيل الأدوية إلى موضع الإصابة داخل الجسم مباشرة. وقال الباحث الرئيسي في الدراسة: “الجانب المثير في الأمر أننا أثبتنا مبدأً علمياً لم يكن متاحاً من قبل”.
واختتم القول: “إذا نجحنا في تطويع هذه الكيمياء وتخصيصها، فقد نصل في النهاية إلى مواد جديدة أسهل في التطبيق والإزالة وإعادة التدوير، مقارنة بمعظم أنواع البلاستيك المستخدمة حالياً”.
المصدر: العربية – منوعات




