تبدو وكأنها من فيلم رعب.. اكتشاف “زهرة الشيطان” في تايلاند
في عمق غابات تايلاند الظليلة، حيث تُحجب أشعة الشمس عن الأرضية الرطبة، عثر علماء النبات على كائن غريب يبدو وكأنه خرج للتو من شاشة فيلم رعب سينمائي. زهرة صغيرة سوداء تقريباً، تبرز من بين الأوراق المتساقطة، تشخص بنظراتها نحو السائرين عبر بقع برتقالية تميل للحمرة تشبه “العيون المتوهجة”، بينما ترتفع من رأسها 3 أذيال طويلة تحاكي القرون.
هذا النبات الغريب، الذي أطلق عليه الباحثون اسم “تاسميا ديمونا” (Thismia daemona) أو “زهرة الشيطان“، لا يكتفي بمظهره المرعب فحسب، بل يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بتحديه لأبسط قواعد الحياة النباتية المتعارف عليها؛ فهو لا يلتفت نحو الشمس، ولا يحتاج إلى ضوئها للبقاء على قيد الحياة.
بحسب ما نقله موقع “ساينس أليرت” (ScienceAlert) العلمي المتخصص، فإن النبات الجديد الذي اكتشفه باحثون من جامعتي “شولالونغكورن” و”أمير سونغكلا” التايلانديتين ونُشرت تفاصيله في مجلة “فيتاكيز” (PhytoKeys)، يفتقر تماماً إلى مادة “الكلوروفيل” الخضراء المسؤول الأول عن عملية البناء الضوئي وتحويل الضوء إلى غذاء.

هندسة التغذية تحت الأرض
بدلاً من الاعتماد على السماء ونور الشمس، اخترعت “زهرة الشيطان” استراتيجية بقاء بديلة وعجيبة؛ إذ تعتمد على نظام يُعرف علمياً ب “التغذية الفطرية غير الذاتية” (Mycoheterotrophy). يختبئ النبات تحت طبقات الأوراق المتساقطة لمعظم فترات حياته، ممدداً شبكة جذوره الشاحبة التي تشبه الشعاب المرجانية، ليقرص ويكتسب الكربون والمغذيات مباشرة من الفطريات الممتدة تحت التربة، ولا يخرج إلى السطح إلا لفترات خاطفة بهدف الإزهار وإنتاج الثمار.
وكان العثور على هذا النبات في مايو 2025 داخل متنزه “ثونغ فا بهوم” على ارتفاع يناهز ألف متر فوق سطح البحر، بمثابة مفاجأة مدوية للعلماء؛ إذ تكيفت هذه الفصيلة مع بيئة جبلية موسمية خلافاً لأقاربها من جنس “فوانيس الجنيات” التي تستوطن عادة الغابات المطيرة المنخفضة الشديدة الرطوبة.

مهددة بالمحو قبل الاستكشاف
ورغم أن التحليلات الجينية الدقيقة للحمض النووي أكدت توسع نطاق هذه المجموعة النباتية شمالاً نحو تايلاند ليرتفع عدد أنواعها المسجلة هناك إلى 16 نوعاً، إلا أن الفرحة بهذا الاكتشاف امتزجت بدق ناقوس الخطر سريعاً.
فالعلماء لم يسجلوا سوى مجتمع نباتي واحد فقط لـ”زهرة الشيطان” لا يتعدى 50 نباتاً، محصورة في بقعة جغرافية ضيقة للغاية لا تتجاوز 0.05 كيلومتر مربع. وعلى الرغم من وقوعها داخل محمية طبيعية، فإن حركة السياح والأقدام العابرة قد تسحق هذه الأزهار النادرة أو تدمر شبكة الفطريات الهشة التي تعتمد عليها، ما دفع الباحثين إلى وضع تقييم أولي يصنفها كـ”نوع مهدد بالانقراض بدرجة قصوى”.
يثبت هذا الاكتشاف أن الطبيعة لا تزال تكمن بأسرارها في أكثر الأماكن ارتياداً، وأن فصائل غريبة ومجهولة للعلوم قد لا تكون مختبئة في أدغال نائية، بل قد تكون قائمة تحت أقدامنا مباشرة بين الأوراق المتساقطة.
المصدر: العربية

