تجارب واقعية.. معرض يؤسس لعودة الرسم الأكاديمي إلى المشهد العراقي
بغداد / علي الدليمي
على قاعة كولبنكيان للفنون افتتح رئيس وأعضاء جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، عصر السبت، المعرض التأسيسي الأول لتجمع نخبة الواقعية تحت عنوان “تجارب واقعية”.
شارك فيه اثنان وثلاثون فناناً من بغداد ومحافظات العراق، من أجيال متعاقبة يجمعهم انتماء مشترك إلى الواقعية اليومية بوصفها منهجاً وموقفاً جمالياً.
المعرض لا يقدم نفسه كاحتفاء بالحنين إلى الماضي، بل كمحاولة لإعادة الاعتبار إلى المدرسة الواقعية في لحظة ابتعد فيها كثير من الفنانين نحو التجريد والمعاصرة. التجمع يعلن في دليله أن هدفه تسليط الضوء على المدرسة الواقعية، ترسيخ مفاهيمها وممارستها، والحفاظ على هويتها وصورتها. وهو هدف يبدو استجابة مباشرة لحاجة المشهد إلى خطاب بصري واضح يستمد شرعيته من الحياة ذاتها.
رئيس الجمعية الفنان سعد العاني أكد أن الجمعية تمد يد العون والدعم لكل التجمعات التي تعنى بالفن التشكيلي وتسعى إلى إظهاره بالصورة الحسنة.. وتأتي هذه الكلمة لتعطي المعرض مظلة مؤسسية تمنحه ثقلاً يتجاوز المبادرة الفردية. استلهام الواقع، كما يرى العاني، دليل على عافية الرسم الأكاديمي، وهو الأرض التي تبنى عليها مفاهيم الفن ومذاهبه وأساليبه الإبداعية.
الواقعية بوصفها خياراً معرفياً
ما يميز “تجارب واقعية” أن الواقعية هنا ليست نقلاً حرفياً للمرئي. الفنانون المشاركون انطلقوا من زوايا مختلفة لمواضيع تبدو مألوفة لكنها تستعيد حضورها من خلال المعالجة البصرية. امتلأت الجدران بمشاهد من الحياة اليومية العراقية: مهن حرفية فلكلورية، أزياء تقليدية، بائع الماء، الخبازة في الريف، رجال الإطفاء أثناء أداء مهمتهم، مشاهد من السوق، رقصة البالية، ورسوم للخيول العربية الأصيلة التي تحيل إلى موروث بصري عريق. إلى جانب ذلك حضر البورتريت الشخصي التعبيري والستلايف والخيال الفكري، بما يشير إلى أن الواقعية في هذا التجمع ليست قالباً مغلقاً.. هي قدرة على التقاط التفصيل الصغير وتحويله إلى مادة فنية قادرة على إنتاج معنى. الرسم الأكاديمي يظهر هنا بوصفه أداة معرفة، لا مهارة يدوية فقط، لأنه يعلّم المشاهد كيف ينظر إلى ما اعتاد تجاوزه.
مشاركة جيلية تعيد التواصل
قائمة المشاركين تكشف طبقة مهمة في المشروع: فاضل عباس، علي طهيوش، منذر علي، إياد محمود، أحمد الخزعلي، أسعد عباس، أكرم علي، بان الجنابي، ثائر كريم، جاسم البياتي، حيدر شنين، خليل الربيعي، صلاح هادي، رعد جبرائيل، ريم طه، سعدون حاكم، شبير البلداوي، صالح عبد الواحد، صالح مهدي، عبد الحسين حيال، عدنان عباس، علاء النقاش، علاء جواد، علي آل خالة، عماد جواد، عمر المطلبي، عمرو الريس، فارس الراوي، محمود سالم، ناجي حسين، ناطق عزيز، ندى الحسناوي، نذير حسون، وعقيل اللامي.. هذه الأسماء تجمع بين أجيال تعلمت الرسم في معاهد وأكاديميات مختلفة، لكنها تلتقي على أرضية واحدة. التواصل بين الجيل الأقدم والجيل الأوسط والجيل الشاب يمنع انقطاع الخبرة، ويعيد إنتاج سلسلة تعليمية ظلت مهددة بالانكسار خلال العقود الماضية. كل فنان شارك بأكثر من عمل، مما أتاح للمشاهد متابعة مساره المصغر داخل القاعة الواحدة.
“تجارب واقعية” لا يقدّم بياناً نظرياً معقداً، بل يقدّم حجته على الجدران. من خلال الأعمال تتشكل صورة مركبة عن العراق اليوم، حرفة لا تزال قائمة، مهنة تُمارس في صمت، وجه إنساني يطلب التثبيت قبل أن يمحوه الزمن.. التجمع نجح في تحويل الواقعية من تمرين أكاديمي إلى مشروع جماعي له أفق.
The post تجارب واقعية.. معرض يؤسس لعودة الرسم الأكاديمي إلى المشهد العراقي appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى
