تحالف الخصوم: تطور نوعي يهدد آبي أحمد أم انتفاضة قابلة للاحتواء؟
في بيان مشترك مساء الأحد الماضي 20 سبتمبر، يحمل اسم “تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء”، أعلنت سبع فصائل إثيوبية عرقية “إثنية” تحالفها من أجل اسقاط الحكومة الفيدرالية الإثيوبية بقيادة رئيس الوزراء، آبي أحمد ليتحول هذا البيان إلى تحرك فعلي على الأرض بعد ساعات قليلة، إذ شهدت الأيام الأربعة الأخيرة تعليق رحلات الخطوط الجوية الإثيوبية إلى إقليم تيجراي، وسيطرة جبهة تيجراي على مطارات إقليمية واندلاع مواجهات مسلحة في إقليمي عفر وأمهرة.
يتكون التحالف السُباعي، من حركة فانو القومية في إقليم أمهرة، وجيش تحرير أورومو، وجبهة تحرير شعب تيجراي، إلى جانب جبهة تحرير أوجادين القومية، وجبهة الثورة الوطنية الموحدة في عفر، وحركة تحرير شعب بني شنقول، والحركة الديمقراطية لشعب جوموز، وهو ما يعني امتداد حركة المعارضة ضد آبي أحمد الآن جغرافياً عبر الدولة الإثيوبية الفيدرالية من أمهرة وأوروميا وتيجراي والإقليم الصومالي وعفر وبني شنقول، وهو ما يشير لحالة غير مسبوقة من الإجماع المسلح ضد الحكومة المركزية في أديس أبابا، رغم الخلافات التاريخية الدموية بين قوى التحالف الجديد من أمهرة وتيجراي وأورومو.
تحالف مؤقت أم جبهة موحدة؟
لم يكن تحرك القوى السياسية السبع– ذات الطابع الإثني- هو الأول في تاريخ الاحتجاجات في الداخل الإثيوبي ضد رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد- منذ تولية السلطة في إبريل 2018، بعد موجة احتجاجات شعبية واسعة، قادها بشكل رئيسي شباب الأورومو والأمهرة- ففي نوفمبر 2021، وقّعت تسع فصائل إثيوبية، من بينها جبهة تحرير شعب تيجراي وجيش تحرير أورومو، وثيقة سياسية في واشنطن من أجل تشكيل تحالف؛ يهدف إلى حل الحكومة الفيدرالية سواء طوعاً أو كرهاً، وإقامة إدارة انتقالية بديلة.
وكان إعلان 2021 مصحوباً أيضاَ بتحركات ميدانية، حيث تقدّمت قوات جبهة تحرير شعب تيجراي، بالتحالف مع جيش تحرير أورومو، نحو العاصمة أديس أبابا حتى 345 كيلو متراً فقط في تهديد عسكري مباشر ضد حكومة آبي أحمد، وهو ما دفع المدعي العام الإثيوبي إلى إعلان حالة طوارئ على مستوى الدولة بأكملها لمدة ستة أشهر في نوفمبر 2021، وتصاعدت حملات التعبئة الشعبية وتحريض السكان على التسلح والاستعداد للدفاع عن العاصمة.
لحسابات ومصالح فردية فشل الائتلاف المعارض الذي كانت جبهة تحرير التيجراي قوامه الأساسي في 2021، أن يكون تهديدا حقيقيا لحكومة أبي أحمد وذلك لعدة أسباب يمكن حصرها على الصعيد العسكري والتنظيمي والسياسي، عسكرياً، تلقت قوات تيجراي وأورومو المتقدمة نحو أديس أبابا ضربات قاسية، بعد أن استعانت الحكومة الفيدرالية بطائرات مسيّرة من تركيا والإمارات، ودعم عسكري من إريتريا، مما أجبرهم على التراجع من محيط العاصمة إلى مواقعهم الشمالية.
وتنظيماً، كان تحالف 2021 هشاً منذ تأسيسه، حيث كان يضم تسع حركات متفاوتة الحجم والقوة، بعضها لم يكن يملك أي وجود عسكري، ليكون التحالف أشبه بحملة دعائية ضد آبي أحمد وسياساته، أكثر من كونه قوة حقيقية على الأرض يمكن أن تدير معركة سياسية أو عسكرية ضد الحكومة الفيدرالية.
كانت الحسابات الخاصة لجبهة تحرير شعب التيجراي؛ سبباً أيضاً في انهيار تحالف 2021، بينما كانت العمود الفقري للتحالف، إذ اختارت مساراً تفاوضياً منفرداً مع الحكومة الفيدرالية برعاية الاتحاد الإفريقي، والذي استثمر الفرصة بتوقيع اتفاق بريتوريا للسلام في نوفمبر 2022، وهذا المسار بين آبي أحمد والتيجراي، عزل عملياً باقي مكونات التحالف من الأورومو والعفر وبني شنقول، وأفرغ الجبهة الموحدة من مضمونها، لتنكفئ كل حركة إلى قتالها المحلي المنفصل بدل الاستمرار في مشروع إسقاط جماعي للحكومة.
وفقاً لتطور الأحداث المتسارع خلال الأسبوع الماضي، فإن التحالف الجديد يختلف بشكل ما عن 2021، هذه المرة تتحالف المعارضة المسلحة، ويوحد الائتلاف الجديد لأول مرة قوى قومية متصارعة تاريخياً حول هدف واحد هو إسقاط حزب “الازدهار” الحاكم وتفكيك النموذج المركزي الذي بناه آبي أحمد منذ 2018.
رغم الإعلان الرسمي عن توحيد الصفوف من أجل اسقاط حزب الازدهار ومشروعه السياسي، إلا أنه لا يمكن إغفال احتفاظ كل قومية ومجموعة إثنية داخل التحالف بحساباتها التفاوضية الخاصة؛ فتيجراي التي جرّبت مساراً منفرداً مع أديس أبابا عبر اتفاق بريتوريا من قبل، قد تعود لتفضّل تسوية ثنائية تضمن لها حكماً ذاتياً موسعاً بدل الرهان على مشروع إسقاط جماعي طويل الأمد ومحفوف بالمخاطر، وكذلك الحال مع فانو أو جيش تحرير أورومو إن وجدا في مفاوضات منفردة مكاسب أسرع وأقل كلفة.
ويشكل العداء التاريخي العميق بين هذه القوى– وأبرزه تاريخ النزاع بين التيجراي والأمهرة، وتهميش الأورومو بعد 1991، هشاشة متوقعة للتحالف الحالي مع أول اختبار حقيقي، وتبقى المفارقة في استمرار هذا التحالف، إن نجح عسكرياً في زعزعة حكومة آبي أحمد، سيكون من شأنه بداية أزمة أعقد من مجرد إسقاط آبي أحمد، تتمثل في كيفية تقاسم السلطة والموارد والنفوذ الإقليمي بين مكونات لا يجمعها مشروع سياسي موحّد سوى العداء المشترك للحكم الحالي، وهو ما قد يكون بداية صراع جديد أشبه بما حدث بين التيجراي والأورومو عقب سقوط نظام منجستو هيلا ماريام عام 1991.
وتُظهر قراءة المواقف السياسية لأعضاء التحالف شكوكا في إمكانية أن يكون مشروعا سياسيا قويا بديلا عن حكومة آبي أحمد، فبينما تسعى فانو إلى استعادة نفوذ أمهرة التاريخي، تطالب جبهة تحرير تيجراي بضمانات لحكمها الذاتي، في حين يحمل جيش تحرير أورومو أجندة قومية تتمثل في تحقيق حكم ذاتي حقيقي وموسّع لشعب الأورومو داخل النظام الفيدرالي، وإنهاء ما يعتبره تهميشاً سياسياً واقتصادياً وثقافياً لحقه منذ عقود، رغم كونه أكبر قومية في البلاد، وهو ما قد يجعل التحالف أقرب إلى “تحالف مصالح مرحلي” منه إلى مشروع سياسي متماسك قادر على إدارة “حكومة انتقالية شاملة” فعلياً، إذا ما نجح عسكرياً، حال استمرت التطورات الميدانية ضد الحكومة المركزية.
تهديد الاقتصاد
يأتي تحالف القوميات الإثيوبية وتصعيدها العسكري في أسوأ توقيت اقتصادي لحكومة آبي أحمد.
فمنذ مطلع 2026، أنفق البنك المركزي الإثيوبي نحو 2.7 مليار دولار في محاولة لدعم العملة الوطنية (البر) دون جدوى، إذ فقدت نحو 3.2% من قيمتها لتهبط إلى 162 بيراً للدولار الواحد، لتصبح إثيوبيا صاحبة أسوأ أداء بين العملات الإفريقية خلال العام الماضي، بعد أن خسرت نحو 12% من قيمتها، فضلاً عن ارتفاع معدل التضخم ليبلغ نحو 15.1%، مع ارتفاع أسعار الغذاء بين 14.9% و15.3% مدفوعة بزيادة تكلفة الواردات.
وتهدد الحرب المحتملة بشكل مباشر استراتيجية آبي أحمد لاستقطاب الاستثمار الأجنبي، إذ كانت الحكومة الإثيوبية تستهدف جذب استثمارات بقيمة 13.1 مليار دولار، كان قد تم الاتفاق عليها في منتدى “استثمر في إثيوبيا 2026” مارس الماضي.
ويشكل تهديد حركة التجارة والصادرات والواردات الضغط الاقتصادي الأكبر خلال التصعيد الحالي، إذ أن امتداد الاشتباكات الأخيرة إلى مدينتي أبالا وإربتي في اقليم عفر يمكن أن تتسبب في خنق اقتصادي لأديس أبابا، فرغم صغر مساحة إقليم عفر وضعف تمثيله في التحالف الحالي إلا أنه يمثل الشريان الحيوي الذي يربط إثيوبيا الحبيسة جغرافياً بميناء جيبوتي، الذي يمر عبره ما يقارب 95% من تجارة البلاد الخارجية.
وفقاً لأهمية إقليم عفر، فإن أي سيطرة فعلية لقوات التحالف الحالي على هذا الممر، حتى لو جزئياً أو مؤقتاً، سيكون من شأنه توقف حركة الوقود والسلع الأساسية والصادرات القادمة من وإلى ميناء جيبوتي الذي تعتمد عليه الدولة بالكامل تقريباً في تجارتها الخارجية، وهو ما كان ورقة تهديد بالفعل استخدمتها جبهة تحرير تيجراي خلال حرب 2020- 2022 حين هدّدت بقطع الطريق الرابط بين العاصمة والميناء الوحيد لها، فيما لا تملك الحكومة الفيدرالية بديلاً سريعاً عن هذا الممر رغم مساعيها المتكررة لتنويع منافذها البحرية عبر إريتريا أو الصومال.
الخيارات المحتملة لآبي أحمد
التهديدات العسكرية والسياسية والاقتصادية للتحالف الجديد تضع حكومة آبي أحمد أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فكل تصعيد ميداني يُضعف قدرتها على طمأنة المستثمرين والدائنين، وكل تراجع اقتصادي يقلّص هامش مناورتها المالية لتمويل المجهود العسكري نفسه، فضلاً عن التأثير الإقليمي لهذه الحرب المختلفة بخاصة ارتباطها بملفات أمن البحر الأحمر والحرب في السودان والعلاقات المتوترة مع إريتريا.
يملك آبي أحمد شبكة تحالفات خارجية أثبت الاعتماد عليها إمكانية النجاح في السيطرة العسكرية، كما حدث في حرب تيجراي الأولى عام 2020، أبرزها الإمارات التي زوّدته حينها بجسر جوي من الطائرات المسيّرة من قاعدة عصب الإريترية، وقدّمت له دعماً مالياً مباشراً للبنك المركزي إلى جانب إريتريا التي زجّت بجيشها مباشرة في القتال ضد تيجراي.
لكن الاعتماد على هذين الحليفين هذه المرة قد يكون أقل ضماناً؛ فالعلاقات بين أديس أبابا وأسمرة تشهد تدهوراً ملحوظاً منذ نحو عام؛ بسبب خلافات حول الوصول إلى البحر الأحمر وطموحات آبي البحرية، ما قد يحوّل إريتريا من حليف إلى طرف متردد أو حتى معادٍ، بينما تفضّل الصين والولايات المتحدة النأي بمصالحهما الاقتصادية والأمنية عن الانخراط المباشر في الصراع الداخلي، ما يترك آبي أحمد بخيارات خارجية أضيق وأكثر تكلفة سياسياً، مقارنة بما سبق.
يبقى خيار التفاوض الثنائي ورقة أخرى في يد آبي أحمد لتفكيك التحالف من الداخل، خاصة أنه أثبت نجاحه من قبل عبر اتفاق بريتوريا الذي عزل تيجراي عن بقية حلفائها عام 2022، إذ يمكن لأديس أبابا تكرار السيناريو نفسه، عبر فتح قناة تفاوض منفصلة مع جبهة تيجراي مقابل ضمانات موسّعة للحكم الذاتي وتمويل إعادة الإعمار، أو استمالة الفصائل الأصغر مثل حركة تحرير بني شنقول أو جبهة عفر الثورية بحوافز اقتصادية وإدارية محدودة التكلفة نسبياً، من أجل إخراجها من معادلة القتال.
ويبدو من رد الفعل الأولي لحكومة آبي أحمد أنها تفضل الحسم العسكري المباشر مع استخدام التعبئة الشعبية وتصعيد الخطاب العدائي ضد التحالف ومطالبه، فعسكرياً، كان رد الحكومة صارما إذ نفّذ الجيش الإثيوبي ما لا يقل عن 21 غارة جوية، وأطلق 5 طائرات مسيّرة على مواقع في تيجراي، أصابت اثنتان منها مدرستين في ألاماتا، وأسفرتا عن مقتل 14 مدنياً على الأقل وإصابة 22 آخرين، ما اعتبرته جبهة تحرير تيجراي بمثابة بداية لحرب دفاعية.
وسياساً، بدأت الحكومة خطابا تعبويا يحمل قوى خارجية معادية مسؤولية الأزمة، حيث ادعت المتحدثة باسم آبي أحمد، بيلين سيوم، وجود علاقة للتحالف الجديد بإريتريا، قائلة: “هذا التحالف لا يؤكد سوى ما ظلت الحكومة الإثيوبية تدّعيه مراراً من وجود دعم مالي إريتري لهذه الجماعات”، كما استخدم الرئيس الإثيوبي منبر الأمم المتحدة، وعلق مسئولية الأزمة على “تدخلات خارجية معادية”، وهو ما يعني استخدام خطاب المؤامرة الخارجية في محاولة لكسب تأييد الداخل والخارج لصالح حكومة آبي أحمد وحزبه.
<p>The post تحالف الخصوم: تطور نوعي يهدد آبي أحمد أم انتفاضة قابلة للاحتواء؟ first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360



