تحذير من “نتائج عكسية”.. أسرار تريث إيران في العودة إلى المفاوضات مع أميركا
رغم توقف الضربات المتبادلة مع الولايات المتحدة منذ عدة أيام، لا تبدو إيران «متعجلة» للعودة إلى المفاوضات المباشرة، حيث تراهن طهران على قدرتها على تحمّل الضغوط لفترة أطول من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وعلى امتلاكها أوراق ضغط تمنحها نفوذا في أي تسوية مقبلة، لكن تلك الاستراتيجية قد تأتي بـ”نتائج عكسية”، وفقا لما ذكره محللون.
هدوء حذر
ومنذ توقف الغارات والانفجارات التي استمرت قرابة أسبوعين، شدد مسؤولون إيرانيون على أن بلادهم «ليست في موقف ضعف»، فيما نفت طهران صحة التصريحات الأميركية بشأن سعيها السريع إلى «استئناف المفاوضات».
ورغم الهدوء النسبي، لا تزال حالة عدم اليقين تلقي بظلالها على إيران، حيث يمكن أن تتجدد المواجهة في أي وقت، بينما تبدو التسوية النهائية بعيدة المنال.
عامل الوقت وورقة هرمز
تعتقد طهران أن “عامل الوقت” يصب في مصلحتها، وأنها قادرة على التعامل مع احتمال تجدد القتال، بينما تسعى إلى انتزاع اعتراف أميركي بنفوذها وسيطرتها على مضيق هرمز، وهو مطلب لا تزال واشنطن ترفض الاستجابة له، بحسب تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز».
ويرى كبير محللي الشؤون الإيرانية في مجموعة “أوراسيا”، غريغوري برو، أن المسؤولين الإيرانيين يعتقدون أنهم قادرون على امتصاص الألم والضغوط بصورة أفضل من ترامب، وأن الرئيس الأميركي سيضطر في نهاية المطاف إلى قبول اتفاق يتوافق مع مطالبهم من دون تقديم تنازلات كبيرة.
وفي سياق متصل، يقول الباحث المصري في الشؤون الإيرانية محمد خيري إن النظام الإيراني يراهن على الحصول على أكبر قدر من المكاسب الجيوستراتيجية في مفاوضاته مع الجانب الأميركي، وهو ما يفسر تريث طهران في العودة إلى المباحثات.
وفي حديثه لـ”العربية.نت” و”الحدث”، يؤكد خيري أن النظام الإيراني “يستثمر في إغلاق مضيق هرمز، ويستخدم المضيق أداة ضغط من أجل تحسين شروط أي مفاوضات مرتقبة”، مضيفاً أن طهران تعتبر هذا الممر الحيوي “قنبلة استراتيجية تستطيع خنق الاقتصاد العالمي”.
مبالغة في القوة
يرى محللون أن استخدام مضيق هرمز كورقة تفاوضية يمنح طهران نفوذا مهما، لكنه قد يدفع واشنطن وشركاءها إلى تشديد الضغوط السياسية والعسكرية، خاصة إذا تعرضت حركة التجارة الدولية لتهديد مباشر.
وفي هذا السياق، يحذر غريغوري برو من أن إيران “قد تبالغ في تقدير أوراق قوتها”، موضحا أن تصعيد الحرب قد يكون خياراً أكثر قبولاً لدى ترامب من الموافقة على اتفاق يمنح طهران سيطرة مباشرة على المضيق.
وأضاف أن دولا أخرى قد ترفض فرض رسوم أو قيود على حركة السفن عبر الممر المائي، مشيرا إلى وجود مجال لخفض التصعيد إذا قبلت إيران بتسوية وسط بشأن مستقبل المضيق.
ويرى برو أن فشل التوصل إلى تسوية بشأن مضيق هرمز قد يدفع ترامب إلى استئناف الضربات الجوية، في محاولة لإجبار طهران على التراجع، وهو ما قد يفاقم الأضرار التي لحقت بالاقتصاد الإيراني وقدراته العسكرية.
ويتفق معه خيري، الذي يقول إن “إيران تلعب بالنار”، موضحا أن استمرار استخدام مضيق هرمز ورقة ضغط قد يمنح طهران مكاسب تفاوضية مؤقتة، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام رد أميركي أكثر صرامة، خصوصا إذا اعتبرت واشنطن أن حرية الملاحة الدولية أو إمدادات الطاقة العالمية أصبحت مهددة.
ويضيف: “النظام الإيراني يحاول رفع كلفة أي مواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها، وإظهار أن الضغط على طهران لن يمر من دون تداعيات إقليمية ودولية، لكن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر كبيرة، لأن أي تصعيد غير محسوب قد يحول ورقة الضغط إلى عبء استراتيجي على إيران نفسها”.
ويرى الباحث المصري أن “إيران تريد أن تدخل أي مفاوضات من موقع الندية، لا من موقع الطرف الذي اضطر إلى العودة تحت الضغط، ولذلك تحاول إطالة أمد التفاوض غير المباشر، ورفع سقف مطالبها، وربط أي تفاهم بشأن مضيق هرمز بضمانات سياسية وأمنية أوسع”.
وبدأ ترامب قبل نحو أسبوعين حملة قصف جديدة لمعاقبة إيران بعد أن أطلقت النار على سفن تستخدم مسارا قريبا من سواحل سلطنة عمان بعدما روجت له واشنطن ودعت السفن للإبحار عبره.
وتقول إيران إن السفن لا يمكنها المرور إلا عبر مسار تسيطر عليه قرب سواحلها وتعتزم فرض رسوم عبور عليه.
وتسبب تجدد القصف الأميركي الذي استمر أسبوعين عن مقتل العشرات في إيران وتدمير جسور وأنفاق في جنوب البلاد، فضلا عن أهداف عسكرية، بينما قتل أربعة جنود أميركيين.
وبعد تعليق حملة القصف الأميركية الأحدث، لم يعد هناك أي مؤشر واضح على نوعية الضغط الذي قد تلجأ له واشنطن لتنفيذ هدف ترامب بشأن كسر هيمنة إيران على مضيق هرمز، وفق وكالة “رويترز”.
وتوصلت واشنطن وطهران في يونيو (حزيران) إلى اتفاق مؤقت لإطار عمل لمحادثات كان من المقرر عقدها بحلول نهاية أغسطس (آب) لحل القضايا الرئيسية، مثل البرنامج النووي الإيراني.
إلا أن الجانبين اختلفا حول تفسير البنود المتعلقة بمضيق هرمز، إذ أصرت واشنطن على أنها تلزم طهران بالسماح بحرية الملاحة وقالت إيران إنها تمنحها سلطة الإشراف على العبور.
المصدر: العربية
