تركيا وإسرائيل والخطوط الحمراء فى سوريا
الهجوم الذى وقع فى ١٨ أغسطس، على قاعدة أبوالظهور التى تبعد نحو سبعين كيلومتراً عن الحدود التركية بررته إسرائيل بأن دمشق كانت تستعد للسماح بانتشار قوات تركية فيها، وإن تحذيراتها لم تُؤخذ بجدية. نفت سوريا وتركيا وجود خطة لإنشاء قاعدة دائمة، وقالتا إن الضباط الأتراك زاروا الموقع فى إطار التدريب والتعاون العسكرى. لكن وزير الدفاع الإسرائيلى يسرائيل كاتس اختار توجيه تحذير مباشر إلى الرئيس رجب طيب أردوغان من جر بلاده إلى «مغامرات خطرة فى سوريا» واختبار عزم إسرائيل على الدفاع عن نفسها.
بهذه الغارة انتقلت العلاقة التركية–الإسرائيلية خطوة أخرى من الخلاف السياسى إلى المنافسة العسكرية. لم تصبح الدولتان فى حالة حرب، ولا يبدو أن أياً منهما اتخذ قراراً بها، لكن كلتيهما باتت ترسم خطوطاً حمراء داخل المساحة الجغرافية نفسها. وهنا يبدأ الخطر الحقيقى.
على مدى سنوات أثبتت العلاقة بين أنقرة وتل أبيب قدرتها على الفصل بين السياسة والمصالح. تتصاعد الخلافات وتتبادل الحكومتان الاتهامات، وسُحب السفراء أكثر من مرة، لكن التجارة بقيت قائمة، والتعاون العملى لم ينقطع تماماً. عشية حرب غزة بلغ حجم التبادل التجارى نحو سبعة مليارات دولار سنوياً. ثم جاءت الحرب لتكسر هذه المعادلة، فأوقفت تركيا التجارة المباشرة، وأغلقت موانئها أمام السفن الإسرائيلية، وتحولت لغة أردوغان تجاه الحكومة الإسرائيلية إلى مستوى غير مسبوق من الحدة.
مع ذلك لا تبدو غزة المكان الذى يمكن أن تبدأ فيه مواجهة عسكرية بين الدولتين. إنها مصدر القطيعة السياسية والأخلاقية، والوقود الذى يغذى العداء الشعبى والخطابى، لكنها لا تجمع قوات الطرفين فى ساحة واحدة. تستطيع تركيا ممارسة الضغط الدبلوماسى والاقتصادى ودعم الموقف الفلسطينى، وتستطيع إسرائيل رفض أى دور تركى أمنى فى مستقبل القطاع، لكن احتمالات إطلاق النار بينهما داخل غزة تظل محدودة.
المكان الأخطر هو سوريا، لأن الخلاف هناك لا يتعلق بالمواقف وحدها، بل بمشروعين استراتيجيين متعارضين.
تريد تركيا دولة سورية موحدة، قوية بما يكفى لضبط حدودها ومنع قيام كيان كردى مسلح، ومرتبطة بأنقرة سياسياً واقتصادياً وأمنياً. لذلك تساعد فى تدريب الجيش السورى وإعادة بناء مؤسساته، وتسعى إلى تحويل نفوذها الذى راكمته خلال سنوات الحرب إلى شراكة طويلة الأمد، حتى حدود الإدارة، مع حكومة أحمد الشرع.
أما إسرائيل فتريد سوريا لا تشكل تهديداً عسكرياً، وجنوباً منزوع السلاح، وحرية مستمرة لطائراتها فى ضرب ما تعتبره خطراً على أمنها. وهى ترى أن استبدال النفوذ الإيرانى بنفوذ تركى عسكرى لا يمثل بالضرورة تحسناً. فإيران كانت خصماً معروفا ومكشوفا، بينما تركيا دولة كبيرة، عضو فى حلف الناتو، وتملك جيشا وصناعة دفاعية وشبكة تحالفات وقدرة على إعادة بناء قوة سورية.
من هنا يظهر جوهر التناقض، ما تعتبره تركيا إعادة بناء طبيعية للدولة السورية، قد تعتبره إسرائيل تأسيسًا لتهديد جديد. وما تسميه إسرائيل حرية عمل دفاعية، تراه تركيا انتهاكاً للسيادة السورية ومحاولة لإبقاء الدولة ضعيفة ومجزأة.
نقلاً عن “المصري اليوم”
المصدر: العربية – سياسة


