تقييم عشرية إصلاح التعليم 2015-2025 الحلقة 30: إصلاح التعليم على محكّ المساءلة والحكامة الترابية
« من السهل ملاحظة الفارق المذهل بين النوايا المعلنة للإصلاحات وتطبيقها الفعلي في مؤسسات التعليم والتكوين.» هذا التحذير، الوارد في تقرير «المدرسة الجديدة» الصادر عن المجلس الأعلى للتعليم والتكوين والبحث العلمي، يلخص وحده المفارقة التي تعترض إصلاح التعليم في المغرب: إطار قانوني واستراتيجي من بين الأكثر طموحاً في المنطقة، يواجه تطبيقاً يصعب فرضه على أرض الواقع.
بينما التزم المغرب، في إطار الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 والقانون الإطار 51-17، ببناء «مدرسة جديدة» تقوم على الإنصاف والجودة والنهوض بالفرد والمجتمع، لا تزال الحكامة الترابية للنظام التعليمي تتسم بتناقضات عميقة. فَالشفافية والمساءلة والقيادة المحلية – وهي ركائز أي لامركزية ناجحة – تظل مشاريع غير مكتملة.
إطار قانوني نموذجي، وتنفيذ مجزّأ
وضعت الرؤية الاستراتيجية مبادئ واضحة: مبدأ التفريع، واستقلالية المؤسسات، والتقييم، والمحاسبة. وقام القانون الإطار 51-17 بترجمة هذه المبادئ إلى التزامات راسخة، تنص على آليات للتتبع والتقييم والمراجعة. كما تم إحداث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين كمؤسسات عمومية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي.
لكن تقرير المجلس الأعلى للتعليم والتكوين والبحث العلمي كان صارماً: «القانون 07-00، في تصوره ذاته، يحمل بوادر الفشل، إذ ترجم توصيات الميثاق بشكل ضيق، تاركاً هامشاً مريحاً للسلوكيات المركزية للإدارة». والأكثر خطورة، أن «تنظيم الأكاديميات نفسه والتوزيع غير الملائم للاختصاصات بين الأكاديميات والمديريات الإقليمية والمؤسسات التعليمية، ساهم في تركيز جديد للسلطات على مستوى الأكاديميات، وفي ظهور بيروقراطية جهوية جديدة، عوض لامركزية حقيقية تطبق مبدأ التفريع».
وهكذا، تحولت اللامركزية المرتقبة إلى مجرد تركيز إداري، بل إلى ظهور «بيروقراطية جهوية جديدة». فالمديريات الإقليمية، التي كان من المفترض أن تكون الواجهة المفضلة مع المؤسسات، رأت اختصاصاتها تتقلص، بينما ركزت الأكاديميات السلطات دون أن تتوفر دائماً على القدرات اللازمة.
الشفافية والمساءلة: معادلة لم تُحل بعد
خصص التقرير العالمي لرصد التعليم الصادر عن اليونسكو (2017/2018) فصلاً كاملاً للحكومات والتزامها بالمحاسبة. ويذكر أن «المساءلة هي عملية تهدف إلى مساعدة الأطراف المعنية على تحمل مسؤولياتها وتحقيق أهدافها». ولتحقيق ذلك، هناك ثلاثة شروط أساسية: تحديد واضح للمسؤوليات، والالتزام بتقديم الحساب، وأسباب قانونية أو سياسية أو اجتماعية تبرر هذا الالتزام.
لكن في المغرب، هذه الشروط بعيدة عن التوفر. يؤكد تقرير «المدرسة الجديدة» أن «القرارات والمبادرات التنازلية (من الأعلى إلى الأسفل) كانت غير كافية لإحداث تغييرات عميقة ومستدامة».
وقد حقق المغرب تقدماً ملحوظاً في مجال الشفافية المالية، حيث بلغت درجة الشفافية 51/100 حسب استطلاع الميزانية المفتوحة 2025 الصادر عن منظمة الشراكة الدولية للميزانية، مقابل 38/100 عام 2015. وهذا التقدم بـ13 نقطة يشهد على تحسن مستمر في إمكانية الوصول إلى المعلومات المالية.
غير أن تحديات مستمرة تعيق شفافية كاملة وفعالة. فالتقرير الختامي للسنة المالية 2023 لم يتم إعداده، وتقرير التدقيق لسنة 2022 صدر بتأخر. والبيان التمهيدي للميزانية، بدرجة 28/100، لا يزال غير كافٍ فيما يتعلق بالتوقعات متعددة السنوات.
ولهذه الثغرات عواقب مباشرة على حكامة التعليم: فبدون تقرير ختامي، يستحيل تقييم ما إذا كانت الاعتمادات المخصصة للأكاديميات أو البرامج الخاصة قد استُخدمت وفقاً للأهداف. كما أن المعلومات المالية غير المكتملة تحد من قدرة الآباء والجماعات الترابية والجمعيات على ممارسة رقابة فعالة على تدبير المؤسسات. ولن يتمكن إصلاح «المدرسة الجديدة» من تحقيق أهدافه إلا إذا استند إلى آليات شفافة وقوية، تمكن جميع الفاعلين من تتبع استخدام الأموال العمومية ومطالبة المسؤولين بتقديم الحساب.
ويحذر تقرير اليونسكو من مقاربات المساءلة التي تقتصر على العقوبات: «لا توجد مؤشرات تذكر على أن الالتزام بالمحاسبة القائم على الأداء يحسن النظم التعليمية عندما يستهدف النتائج بدلاً من الموارد ويستند إلى معايير ضيقة». غير أن مديري المؤسسات غالباً ما يتم تقييمهم على أساس معايير إدارية، دون أن تتوفر لهم هامش المناورة اللازم لتحسين جودة التعليم بشكل فعلي.
إن اللجوء المتكرر إلى إقالة المديرين الإقليميين – وهي ظاهرة وثقتها الصحافة لكن المصادر الأكاديمية تجد صعوبة في قياسها – يجسد مقاربة عقابية تعالج الأعراض بدلاً من الأسباب الهيكلية للاختلالات.
التكوين والقيادة: الحلقة الأضعف في اللامركزية
كان تقرير «المدرسة الجديدة» يأسف لغياب نظام أساسي خاص لمديري المؤسسات، حيث كانوا يُعتبرون مجرد «أساتذة مكلفين بالتدبير». وقد تم سد هذا النقص بالمرسوم رقم 2.24.140 الصادر في 23 فبراير 2024، الذي سن نظاماً أساسياً خاصاً لموظفي وزارة التربية الوطنية، بما في ذلك مديري المدارس.
وهذا التقدم على مستوى النصوص التنظيمية المؤطرة، يلبي إحدى التوصيات الكبرى للرؤية الاستراتيجية. فهو يعترف بخصوصية مهنة المدير ويفتح الطريق أمام مهنية متزايدة للوظيفة.
لكن مجرد تغيير النظام الأساسي لا يكفي لضمان قيادة بيداغوجية فعالة. فتنفيذ المرسوم، الذي لا يزال جارياً، يجب أن يرافقه تكوين أساس ومستمر في التدبير وفي قيادة الجودة، وهي وحدها القادرة على تحويل المديرين إلى «قادة أوركسترا» حقيقيين للمجتمع التعليمي، كما يوصي تقرير «المدرسة الجديدة».
أما بالنسبة لمديري الأكاديميات، فالخلاصة مثيرة للقلق أيضاً: «يجب على الأكاديميات من الجيل الجديد أن تغير مكانتها وتصبح كيانات مهنية فعالة، يُكوَّن رؤساؤها على تدبير القضايا المركبة، وتكون مواصفاتهم الشخصية معادلة لمواصفات ولاة الجهات أو المديرين العامين للمقاولات الكبرى». وبعبارة أوضح، فإن المواصفات الشخصية الحالية لمديري الأكاديميات لا تتوافق دائماً مع متطلبات مهامهم.
ويصر تقرير اليونسكو على أهمية تعزيز القدرات: «يحتاج الفاعلون إلى المهارات اللازمة للقيام بمهامهم. يجب على الحكومات التأكد من أن المفتشين الذين يراقبون الأساتذة يتلقون تكويناً مناسباً للتعرف على جودة التعليم وصياغة ملاحظات بناءة». لكن تكوين الأطر الوسيطة – المفتشين والمستشارين التربويين – لا يزال غير كافٍ، وغالباً ما يُنظر إلى دورهم على أنه رقابة بيروقراطية وليس مرافقة مهنية.
رضا الأطراف المعنية: ثقة مهتزة
تذكر اليونسكو أن «فعالية آليات المحاسبة في التعليم تعتمد إلى حد كبير على مناخ الثقة تجاه الأشخاص والمهن والعمليات». وفي المغرب، هذا المناخ من الثقة مُهتز.
فالجماعات الترابية، التي دعتهم الرؤية الاستراتيجية للعب دور رئيسي، لا تزال مهمشة. يأسف تقرير «المدرسة الجديدة» لوجود «تردد معين» لدى القطاع المكلف بالجماعات الترابية، و«موقف معين» لقطاعات التربية والتكوين تجاه الجماعات، حيث يدعون أنهم وحدهم الشرعيون في قضايا التكوين.
أما آباء وأمهات التلاميذ، رغم الاعتراف بهم كشركاء أساسيين، فيجدون صعوبة في إيصال صوتهم. فجمعيات الآباء، التي غالباً ما يُنظر إليها كحلقات وصل مع الإدارة وليس كسلطات رقابية مشروعة، ترى دورها محدوداً. أما الأساتذة، فيعبرون عن ضيق عميق إزاء تقييمات غالباً ما تُعتبر عقابية، وغياب «عقد ثقة» يحدد بوضوح حقوقهم وواجباتهم.
توصيات لحكامة ترابية متجددة
يتقارب التقريران – تقرير المجلس الأعلى للتعليم وتقرير اليونسكو – حول عدة توصيات أساسية:
1. إعادة تأسيس حكامة الأكاديميات: مراجعة شاملة للقانون 07-00 أمر ضروري، مع تعزيز الاستقلالية الفعلية للأكاديميات، ونقل حقيقي للاختصاصات نحو المديريات الإقليمية والمؤسسات، وتوضيح أدوار كل طرف.
2. تفعيل النظام الأساسي لمدير المؤسسة بشكل كامل: أحدث المرسوم رقم 2.24.140 الصادر في 23 فبراير 2024 وضعا نظاميا ساسياً خاصاً لمديري المؤسسات، مستجيباً بذلك لإحدى التوصيات الكبرى لتقرير «المدرسة الجديدة». ولكي ينتج هذا التقدم في النصوص التنظيمية آثاره الكاملة، ينبغي :
· تعزيز التكوينات المستمرة في القيادة البيداغوجية، وتدبير المشاريع، وقيادة الجودة، لتزويد المديرين بالمهارات اللازمة لتنشيط المجتمع التعليمي.
· ضمان حصص زمنية فعلية تمكن المديرين من التفرغ لمهامهم في التوجيه البيداغوجي.
· توسيع هذا النظام الأساسي ليشمل مديري الأكاديميات والمديرين الإقليميين، الذين لم يشملهم بشكل كامل بعد، مع توفير تكوينات خاصة بتدبير التعقيد والقيادة الترابية.
· تقييم أثر هذا النظام الأساسي الجديد بشكل دوري على الممارسات المهنية وجودة التعليم، لتكييف أجهزة التكوين والمواكبة.
3. تأمين المسارات المهنية للمديرين: لضمان استقرار واستمرارية السياسات التعليمية، ينبغي أن يستفيد المديرون الإقليميون ومديرو الأكاديميات من ولايات محددة المدة، قابلة للتجديد على أساس تقييمات موضوعية.
4. تعزيز الشفافية والمشاركة: يجب أن تكون ميزانيات المؤسسات منشورة للعموم، ومعايير تعيين المسؤولين واضحة، وآليات مشاركة الآباء والجماعات والمجتمع المدني مؤسساتية.
5. إرساء عقد ثقة حقيقي: كما يوصي تقرير «المدرسة الجديدة»، يجب أن يحدد هذا العقد حقوق وواجبات كل طرف، وأن يتم إعداده بشكل تشاركي.
من الإصلاح إلى النهضة
لن يتم تحويل نظام التعليم المغربي بمرسوم. فهو يتطلب تعبئة جميع الأطراف المعنية، واستعادة الثقة، وحكامة مقتسمة حقاً. تظل مبادئ الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 – الإنصاف، الجودة، النهوض بالفرد والمجتمع – أكثر من أي وقت مضى راهنة. لكن تحقيقها يتطلب قطيعة مع الممارسات المركزية والبيروقراطية التي تعيق ظهور «مدرسة جديدة».
وكما يذكر تقرير «المدرسة الجديدة»، «التغيير ممكن، بشرط التسلح بإرادة صادقة واستغلال الوسائل المتاحة بحكمة». والحكامة الترابية هي محور ذلك. التحدي كبير، لكن طموح الإصلاح يبرره: جعل المغرب مجتمع المعرفة، القائم على رأس مال بشري مثمن ومدرسة ذات جودة للجميع.
المصدر: اليوم 24
