ثقافة الفايكنج في المونديال
منتخب النرويج منذ أول لحظة لوصوله لكأس العالم، وهو حديث المونديال، وبؤرة اهتمام وسائل الإعلام، ليس لأن النرويج دولة غنية مرفهة، تنظر إليها السويد الغنية، كأيقونة ونموذج على الضفة الإسكندنافية الأخرى، فهى مثل السويد والدنمارك، ولكن تزيد عنهما بثروة البترول الوافرة، مع عدد السكان القليل، وليس لأن هالاند معهم يتألق، وليس لأنهم المنتخب الذى أحضر طعامه معه، ولا يشترى من الأمريكان!.
لكن مشهد اعتزازهم بثقافة الفايكنج، هو الذى كان مثار الإعجاب، فحين فازت النرويج واحتفل لاعبوها بمشهد التجديف الجماعى، لم يكن الأمر مجرد رقصة جديدة أضيفت إلى عالم كرة القدم، بل كان استدعاءً لواحدة من أقدم الصور الراسخة فى الذاكرة النرويجية.
سفن الفايكنج الطويلة وهى تشق البحار، وصفوف المجدفين يعملون بتناغم كامل للوصول إلى هدف واحد، كانت الرسالة واضحة، النجاح لا يصنعه بطل منفرد، بل فريق يتحرك بإيقاع واحد، تماماً كما كان يفعل أسلافهم قبل قرن من الزمان، ثقافة الفايكنج ليست مجرد حكايات عن المحاربين والغزوات، كما يصورها كثير من الأفلام، بل هى ثقافة قامت أيضاً على الجرأة فى استكشاف العالم، والانضباط، والعمل الجماعى، والقدرة على مواجهة الطبيعة القاسية.
عاش سكان النرويج وسط جبال شاهقة ومضايق بحرية عميقة وبرد قارس، فتعلموا أن النجاة لا تتحقق إلا بالتعاون.
ولهذا أصبحت السفينة رمزاً للوحدة الوطنية، وأصبح التجديف رمزاً لأن الجميع يجب أن يبذل الجهد نفسه حتى تصل السفينة إلى بر الأمان، هذا الاعتزاز بالموروث الثقافى لا يزال حاضراً بقوة فى المجتمع النرويجى الحديث، فالنرويجيون يحتفلون بتاريخهم دون أن يجعلوه ذريعة للتعالى على الآخرين، بل يرونه مصدراً للإلهام وبناء الشخصية، لذلك لم يكن غريباً أن تختار بعثة النرويج فى كأس العالم أن تُظهر هذا الرمز التاريخى فى احتفالها، وكأنها تقول إن الماضى ليس متحفاً، بل جزء من الهوية الحية التى ترافقهم حتى فى أكبر ملاعب العالم.
وفى قلب هذا المشهد يقف Erling Haaland، الذى لا يخفى يوماً اعتزازه بجذوره النرويجية، فرغم شهرته العالمية مع الأندية الأوروبية، يحرص دائماً على التأكيد أن تمثيل منتخب بلاده يحمل له قيمة خاصة، ويتحدث بفخر عن النرويج وطبيعتها وثقافتها، ولا يحاول التخلى عن هويته المحلية من أجل صورة النجم العالمى.
إنه نموذج للاعب الذى يرى أن النجاح الدولى لا يتعارض مع الانتماء الوطنى، بل يزداد قوة به، ولعل أكثر ما يميز البعثة النرويجية هو هذا المزج بين الحداثة والتراث. فاللاعبون ينتمون إلى أحد أكثر المجتمعات تقدماً فى العالم فى التعليم والبحث العلمى وجودة الحياة، لكنهم فى الوقت نفسه لا يشعرون بأى حرج فى استحضار رموز الفايكنج، سواء فى الاحتفالات أو فى بعض التصميمات والشعارات الوطنية.
إنهم يقدمون نموذجاً لدولة تنظر إلى المستقبل بثقة، دون أن تقطع جذورها مع الماضى، ولذلك لم يكن مشهد التجديف مجرد لقطة جميلة بعد الفوز، بل رسالة ثقافية عميقة. فكل ضربة مجداف كانت تذكيراً بأن الأمم التى تعرف تاريخها جيداً تستطيع أن تحوله إلى مصدر إلهام لا إلى عبء، وأن الهوية الحقيقية لا تُرفع فى الخطب والشعارات، بل تظهر تلقائياً فى لحظات الفرح، عندما يحتفل فريق كامل بالطريقة التى تحكى قصة وطن بأكمله.
أتمنى أن نقلدهم من تراثنا الفرعونى المصرى القديم، بعد أى انتصار لنا فى المونديال، رسالة اعتزاز، وأيضاً ترويج سياحى.
نقلاً عن الوطن
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)