جي دي فانس ومذكرة التفاهم !
في تاريخ الولايات المتحدة، تبوأ 15 نائب رئيسٍ سدة الرئاسة؛ تولى 9 منهم المنصب في ظروف استثنائية (وفاة أو استقالة الرئيس)، وهم: جون تايلر، وميلارد فيلمور، وأندرو جونسون، وتشيستر آرثر، وثيودور روزفلت، وكالفن كوليدج، وهاري ترومان، وليندون جونسون، وجيرالد فورد. في المقابل، لم ينجح في الفوز بالانتخابات الرئاسية مباشرة خلال شغله لمنصب نائب الرئيس سوى 4 رؤساء، وهم: جون آدامز، وتوماس جيفرسون، ومارتن فان بيورين، وجورج بوش الأب. بينما نجح اثنان آخران في الوصول إلى البيت الأبيض بعد فترة من مغادرتهما منصب نائب الرئيس، وهما ريتشارد نيكسون وجو بايدن.
أما جيه دي فانس، نائب الرئيس الحالي، وهو محور حديثنا في هذا المقال، فتعتبر فرصة فوزه بترشيح الحزب الجمهوري لعام 2028 حوالي 40-50% كمرشح أول، بينما تتراوح فرص فوزه بالرئاسة ككل بين 18-30% حسب استطلاعات الرأي وأسواق التنبؤ الحالية.
وقد تجسدت ملامح مشروعه السياسي خلال ظهوره الأخير في بودكاست “جو روغان”، حيث تجاوز الدور التقليدي لنائب الرئيس؛ متجاوزاً تفنيد السياسات ومناقشة القوانين إلى تبني خطاب يمثل جيلاً جديداً من الجمهوريين، قائماً على الحوار المعمق والتناول الجريء للقضايا الثقافية والجيوسياسية. يكتسب هذا الحوار أهمية استثنائية في الشرق الأوسط، نظراً لما تحمله رؤيته الاستراتيجية من تأثير محوري على ملفات حساسة، كإيران وأمن الطاقة والقضية الفلسطينية والاستقرار الإقليمي.
يرى المحللون الأمريكيون أن فلسفة فانس السياسية تتجذر في تجربته الحياتية وليست النظريات المجردة. فقد وثّق في كتابه الأكثر مبيعاً “Hillbilly Elegy” مظاهر التدهور الثقافي والاقتصادي في أوساط الطبقة العاملة الأمريكية، متناولاً قضايا تفكك الأسرة والإدمان وفقدان الدافعية، ومؤكداً أن المسؤولية الشخصية وتمكين المجتمعات المحلية هما حجر الأساس للإصلاح، بدلاً من تعليق الأخطاء على شماعة الأنظمة المجهولة.
وبعد تحوله إلى الكاثوليكية، استلهم فانس أفكاره من تيار ما بعد الليبرالية الذي ينتقد الفردية المطلقة والعولمة وهيمنة مؤسسات النخبة، مفضلاً النتائج العملية على الأيديولوجيا. وفي السياسة الخارجية، تترجم هذه الرؤية واقعية “أمريكا أولاً” فهي تقوم على تحديد المصالح الحيوية بوضوح، وانتهاج دبلوماسية جريئة، مع اللجوء للقوة الحاسمة عند الضرورة، والخروج قبل الانزلاق في مستنقعات طويلة الأمد. هكذا يبلور فانس عقيدة ترامب، وهي منع امتلاك إيران للسلاح النووي، مع تجنب أي انخراط في احتلال أمريكي لا نهاية له.
يظهر هذا المزيج بوضوح في تعامل فانس مع الملف الإيراني. فقد كان في البداية متشككاً في التورط العسكري العميق، لكنه دعم في النهاية ضربات الإدارة التي أضعفت البنية التحتية النووية الإيرانية بشكل كبير. ومؤخراً، أصبح الوجه العلني للدفاع عن مذكرة التفاهم والمسار الدبلوماسي اللاحق، والتي فشلت بإعلان إيران أنها غير صالحة.
رسالة فانس الأساسية مباشرة، وهي أن أمريكا تربح في كلتا الحالتين. فقد تم دفع البرنامج النووي إلى الوراء بشكل ملموس، وتم تدمير قدرات التخصيب الرئيسية، وإيران أصبحت أضعف إقليمياً. وفي الوقت نفسه، أسفرت المفاوضات عن مكاسب ملموسة: إعادة فتح مضيق هرمز، وانخفاض أسعار النفط نحو مستويات ما قبل الصراع، وإطار يمكن فيه ربط أي فوائد إضافية بامتثال إيراني يمكن التحقق منه وفقاً لفانس لكن المذكرة لم تصمد سوى أياماً معدودة بعد عودة استهداف النظام الإيراني للسفن التجارية. ولو نجحت سيكون هذا النهج جدير بالملاحظة في المنطقة فإيران القادرة نووياً تبقى التهديد الاستراتيجي الأول ،وسياسة إضعاف هذه القدرة دون إشعال حرب إقليمية مطوّلة تخدم المصالح الخليجية الأساسية في الاستقرار وأسواق النفط المتوقعة.
يبقى فانس داعماً قوياً لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها وتفكيك القدرات العسكرية لحماس. وقد رفض روايات الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل، مع الاعتراف بمعاناة المدنيين الفلسطينيين. لكنه كان صريحاً أيضاً عندما قال إن مصالح أمريكا ليست مطابقة لمصالح أي حليف، والامتنان للدعم الدفاعي الأمريكي أمر واجب. وجاء ردّه العلني على أعضاء الحكومة الإسرائيلية الذين هاجموا التفاهم الإيراني ليؤكد نقطة بسيطة: الولايات المتحدة هي الشريك الذي لا غنى عنه لإسرائيل.
مازال ظهور فانس الأخير على بودكاست جو روغان يثير موجة من الجدل داخلياً وخارجياً. حيث كشف عن صدامه الواضح مع المؤسسة التقليدية في الحزب الجمهوري، خاصة فيما يتعلق بإسرائيل والملف الإيراني. وفي الحلقة، ناقش فانس مقالاً نشرته مجلة TIME يتحدث عن حملة تأثير رقمية وممولة إسرائيلياً، تهدف إلى تقويض المفاوضات الأمريكية مع إيران بموجب مذكرة التفاهم. وعلّق فانس و روغان على هذه الحملة باعتبارها عملية تأثير أجنبية غير مقبولة داخل الولايات المتحدة.
وقد ردّ السيناتور توم كوتون، أحد أبرز أصوات المؤسسة الجمهورية التقليدية المؤيدة لإسرائيل بقوة، على هذه التصريحات قائلاً إنه ليس على علم بأي معلومات استخباراتية تتعلق بعملية تأثير سرية تهدف إلى تغيير الرأي العام الأمريكي بشأن المفاوضات بموجب مذكرة التفاهم.
كما أثار فانس جدلاً أكبر حين تحدث عن جيفري إبستين، قائلاً إنه من الواضح أن لديه اتصالات بأعلى مستويات الاستخبارات الأمريكية، واتصالات بأعلى مستويات الاستخبارات الإسرائيلية، وأشار إلى احتمال ارتباطه بالموساد أو ال CIA أو جهاز دولة عميقة أخرى، سواء في أمريكا أو إسرائيل. هذه التصريحات أثارت انتقادات حادة من شخصيات محافظة بارزة تدعم إسرائيل مثل بن شابيرو، الذي قال إنه سمع في الحلقة “اقتصاديات بيرني ساندرز، وسياسة باراك أوباما الخارجية، ونظريات مؤامرة لرو خانا، النائب الديمقراطي”. ولم تقتصر ردود الفعل على الداخل الأمريكي. فقد هاجم ناشطون إيرانيون معارضون للنظام فانس بعد أن فُهمت تصريحاته على أنه وصف 94 مليون إيراني بالإرهابيين، معتبرين ذلك جهلاً بالفرق بين الشعب الإيراني والنظام الحاكم الذي يُعد الضحية الأولى له.
هذه التصريحات مجتمعة تُظهر فانس وهو يعمل خارج التوافق التقليدي للسياسة الخارجية الجمهورية بشكل غير مسبوق. فهو مستعد لانتقاد عمليات التأثير الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة، ويطرح تساؤلات حول دور إسرائيل في قضايا حساسة مثل ملف إبستين، ويتبنى خطاباً صارماً ل “أمريكا أولاً” يضع المصالح الأمريكية مثل استقرار أسواق الطاقة عبر التفاهم مع إيران فوق التوافق التلقائي مع المواقف الإسرائيلية الأكثر تشدداً. وهذا يضعه في مواجهة مباشرة مع شخصيات مثل توم كوتون والمؤسسة التقليدية في الحزب، وحتى الصقور في الإدارة الأمريكية، وخاصة بعد فشل مذكرة التفاهم ومقتل جنديين أمريكيين في الأردن وإصابة آخرين.
في الحقيقة، يمثل فانس تحولاً جيلياً في التفكير الخارجي المحافظ. فهو ليس تدخلياً أيديولوجياً ولا حمامة انعزالية. يريد فانس استخدام القوة الأمريكية بشكل حاسم لمصالح وطنية واضحة، وأبرزها احتواء الطموحات النووية الإيرانية، ثم توظيفها في مسارات دبلوماسية تُعيد الاستقرار إلى أسواق الطاقة. وحتى الآن، ليس مضموناً له الحصول على ترشيح 2028، وربما قد تضررت فرصه بعد فشل المذكرة، حتى أن جهات في المؤسسة التقليدية في الحزب بدأت تصفه باليساري في إدارة ترامب؛ لكنه المتصدر اليوم، وأفكاره تشكّل النقاش في الحزب الجمهوري. وسيكون من الحكمة في منطقتنا مراقبته عن كثب، والتفاعل بجدية مع قائد يجمع بين جذور شعبوية وجدية أخلاقية كاثوليكية، وتركيز واقعي على القوة والنتائج، حتى لو تطلب ذلك الاصطدام أحياناً مع المؤسسة التقليدية داخل حزبه.
المصدر: العربية – سياسة





