“حماس التي لا تزال قوية”: خدعة نتنياهو التي تباركها “الحركة”
“شبح” لخدمة مصالح نتنياهو وقادة الحركة

في مقال بمجلة “فورين أفيرز“، يجادل الباحث في معهد الشرق الأوسط “جاسر أبو موسى” ضد شبه إجماع، يتبنى توقعا بأنه رغم ترنح حماس لكنها قادرة على التجدد في ظل غياب البديل؛ مشيرا إلى أن عامين من الحرب الطاحنة أفرغا الحركة من مقومات بقائها ودفعاها للتحلل البنيوي. ورغم تفوقها الظاهري، فإن الاجتياح دمر بنيتها العسكرية، ومزق قيادتها، وعزلها إقليمياً، مخلّفاً شللاً سياسياً وكارثة مالية وفقداناً لحاضنتها الشعبية، بعد تدمير 90% من منازل غزة ومقتل 4% من سكانها.
ورغم هذا الأفول، يتمسك الطرفان الحمساوي والإسرائيلي بـ “أكذوبة”، أن حماس لا تزال قوية؛ فقادة الحركة يهربون من الاعتراف بالهزيمة، وإسرائيل تتذرع ب”قوة” خصمها؛ لتبرير استمرار العمليات العسكرية والتملص من استحقاقات مستقبل الفلسطينيين.
شهادة وفاة غير معلنة: تفكيك الجهاز العصبي للحركة
لم تكتفِ إسرائيل بقطع رأس الحركة، بل استأصلت جهازها العصبي بتصفية جيل القيادة العليا (يحيى السنوار، إسماعيل هنية، محمد الضيف). وفي مايو 2026، اغتالت قائد الجناح العسكري عز الدين الحداد، ثم بديله محمد عودة وعائلتيهما في منازلهم، مما أثبت انهيار شبكة البيوت الآمنة والأنفاق وهندسة التمويه. واليوم، لم يتبقَ من قيادات ما قبل أكتوبر 2023 سوى “عماد عقل”، بجانب تصفية مئات من قادة الصف الثاني والوسط، واستهداف كوادر الخارج.
أنتج هذا الشلل أزمة قيادة حادة؛ إذ عجز “مجلس شورى حماس” عن انتخاب رئيس للمكتب السياسي منذ مقتل السنوار (أكتوبر 2024)، وانتهى تصويت فبراير 2026 دون فائز، لتُدار الحركة عبر مجلس خماسي مشلول ومنقسم بين: تيار خليل الحية: المتمسك بالتحالف الإيراني والمواجهة العسكرية، وتيار خالد مشعل: الباحث عن رعاية الدول السُنية والبرجماتية.
وقد بلغ الانقسام ذروته إبان القصف الأمريكي الإسرائيلي لإيران (28 فبراير 2026)؛ إذ صمتت الحركة لثلاثة أسابيع، قبل أن تخرج بمواقف متضاربة بين قيادة قطر “المُهدِئة” وناطق غزة العسكري المشيد بطهران.
نهاية حلف المقاومة: طهران والدوحة ترفعان الغطاء
خسرت حماس عمقها الخارجي؛ فانتهت علاقتها الوظيفية مع إيران، التي كانت تمدها بـ 100 مليون دولار سنوياً، نتيجة إحباط طهران من خطوة أكتوبر المنفردة، وتركيز قيادتها الجديدة اليوم على احتواء أزماتها الذاتية والاتفاق النووي.
أما قطر، فقد أوقفت تمويلها المقدر بـ 360 مليون دولار سنوياً، وطردت قادة الحركة في نوفمبر 2024 (إثر مقتل الرهينة جولدبرغ بولين ورفض التهدئة)، وتكرر الطرد عام 2026 لرفض الحركة إدانة القصف الإيراني لعواصم خليجية. ورغم انتقالهم لتركيا، فإن أنقرة وهي الحريصة على علاقاتها مع واشنطن وتل أبيب، قد فرضت قيوداً صارمة على حريتهم ومزاياهم السابقة.
الأنفاس الأخيرة: إفلاس مالي وشلل عسكري في القطاع
اقتصادياً، تعيش حماس اختناقاً حاداً، وتعجز عن دفع رواتب 49 ألف موظف بانتظام. ولتمويل خزينتها، فرضت منذ مايو 2026 ضرائب تصل لـ 30% على سلع الإغاثة المسربة للسوق السوداء وعلى الشركات الـ 15 المسموح لها بالاستيراد، ما ضاعف الأسعار أربع مرات وأثقل كاهل المواطنين.
عسكرياً، عطل الإفلاس “مهمة المقاومة”؛ فلا أموال أو مواد لإعادة بناء الأنفاق ومخارط الصواريخ المدمرة تحت الركام. ورغم تقدير الاستخبارات الأمريكية بوجود 20 ألف مقاتل بأسلحة خفيفة، فإنهم عاجزون عن الرد؛ فمنذ وقف إطلاق النار (أكتوبر 2025)، قتلت إسرائيل 1000 غزي، ووسعت سيطرتها العسكرية من 53% إلى 70% من القطاع دون رد يذكر من الحركة سوى البيانات.
داخلياً، عجزت الحركة عن كبح تمرد 5 ميليشيات محلية (كالقوات الشعبية وقوة الصدمة) وعائلات مسلحة (كدغمش وشحيبر والمجايدة) نجحت عبر دعم مالي وجوي إسرائيلي في قضم هيبة حماس ونفوذها.
شعبياً، تراجع تأييد الشارع للكفاح المسلح من 51% (سبتمبر 2023) إلى 34% (أكتوبر 2025)؛ بحثاً عن مقومات الحياة والأمان. ولعل المؤشر الأبرز على الانهيار هو إعلان الحركة (يناير 2026) إلغاء هيئاتها الإدارية، وإعلان ناطقها حازم قاسم (مايو 2026) الاستعداد لتسليم الإدارة في القطاع لـ “اللجنة الوطنية” التكنوقراطية المشرفة عليها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهي إشارة استغاثة واضحة لا مناورة.
مسرحية نتنياهو: الحاجة إلى “شبح” لتبرير الاستعمار
بينما يتمسك قادة حماس بالبقاء؛ هرباً من المحاسبة عن دماء 73 ألف فلسطيني، يتصرف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وكأن الحركة في أوج قوتها لحاجته الماسة إلى “تهديد وجودي”، يبرر نهجه الأمني، ورفض الدولة الفلسطينية، ويحمي تحالفه مع أقصى اليمين قبل انتخابات أكتوبر.
وبحسب مقال “فورين أفيرز” فإن نتنياهو يتحجج بنزع السلاح “سلاح الحركة”؛ لمنع الإعمار مكرساً احتلالاً دائماً؛ وتؤكد تحقيقات “الجزيرة” إقامة إسرائيل 40 قاعدة عسكرية في غزة (بُنيت 8 منها بعد وقف إطلاق النار). لو اعترف نتنياهو بأن حماس باتت مجرد شبح، لواجه ضغوطاً دولية لإنهاء الاحتلال. إنها فلسفته القديمة في “إدارة الصراع”؛ فكما وظف أموال قطر سابقاً لتعميق انقسام الضفة وغزة، يستبدل اليوم استراتيجية “حماس التي لا تزال قوية” لإجهاض أي مسار للسلام.
خلاصة ما يطرحه مقال “الفورين أفيرز” هو التالي: يجب على المجتمع الدولي وواشنطن التوقف عن التواطؤ في هذه الأكذوبة “حماس التي لا تزال قوية”، ومساءلة إسرائيل عن الفجوة بين “التهديد المزعوم” و”الواقع الميت” على الأرض. وينبغي ربط أموال الإعمار بالتزام تل أبيب ببنود وقف إطلاق النار (الانسحاب الكامل، فتح المعابر، وعودة النازحين)، وليس بنزع سلاح حركة باتت من الماضي. كشف خداع نتنياهو هو الممر الوحيد لإنقاذ مليوني إنسان في غزة.
<p>The post “حماس التي لا تزال قوية”: خدعة نتنياهو التي تباركها “الحركة” first appeared on masr360.</p>
المصدر: مصر 360



