حين تتحدث الأصابع ماذا يخبرنا شباب اليوم عن مستقبل الإنسان؟
قد تبدو ملاحظة عابرة، لكنها بالنسبة الى صحافي، وباحث سابق في مجال البيولوجيا، اعتاد أن يقرأ التفاصيل الصغيرة، فهذا أمر يستحق التوقف عنده. فمنذ أشهر، وأنا أستقل ترامواي الرباط–سلا من حين لآخر، يشد انتباهي مشهد يتكرر باستمرار: الشباب لا يستعملون هواتفهم الذكية كما نستعملها نحن أبناء الأجيال السابقة.
إنهم يمسكون الهاتف بكلتا اليدين، وتتحرك إبهاماتهم بسرعة مذهلة، يكتبان، ويمسحان، وينتقلان بين التطبيقات دون أن يرفعا أعينهما عن الشاشة إلا نادرا. أما نحن، فكثير منا لا يزال يمسك الهاتف بيد واحدة ويستعمل سبابة اليد الأخرى للضغط على الحروف والأوامر، وكأننا ما زلنا نستعمل لوحة مفاتيح أو هاتفا قديما.
في البداية، ظننت أن الأمر مجرد اختلاف في العادات. لكن عندما عدت إلى الأدبيات العلمية، اكتشفت أن ما نراه ليس مجرد اختلاف في طريقة استعمال الهاتف، بل قد يكون شاهدا على واحدة من أسرع عمليات التكيف التي عرفها الدماغ البشري مع التكنولوجيا. وفق الأدبيات العلمية، في عام 2015، نشر باحثون دراسة في مجلة Current Biology أثبتت أن الاستعمال المكثف للهواتف الذكية يغير نشاط مناطق محددة في القشرة الحسية للدماغ، خصوصا تلك المرتبطة بالإبهام. وبعبارة أبسط، فإن الدماغ يعيد تنظيم نفسه وفقا لما نستعمله باستمرار. إنها خاصية تعرف باسم اللدونة العصبية، أي قدرة الدماغ على إعادة تشكيل شبكاته العصبية استجابة للتجربة والتعلم.
هذا ليس أمرا جديدا في علم الأعصاب. فقد ثبت منذ سنوات أن عازف البيانو أو الكمان يمتلك تمثيلا دماغيا أكثر دقة للأصابع التي يستخدمها باستمرار. الجديد هو أن هذه الظاهرة لم تعد تخص الموسيقيين أو الرياضيين فقط، بل أصبحت تشمل ملايين البشر بسبب جهاز صغير نحمله جميعاً في جيوبنا.
لكن المسألة لا تتعلق بالأصابع وحدها، بل بطريقة مختلفة في التفاعل مع العالم.
فالجيل الذي ولد في عصر الهواتف الذكية لم يتعلم التكنولوجيا، بل نشأ داخلها. بالنسبة إليه، الشاشة ليست أداة، وإنما امتداد طبيعي للجسد. أما الأجيال السابقة فقد انتقلت من الهاتف ذي القرص إلى الهاتف ذي الأزرار، ثم إلى لوحة المفاتيح، قبل أن تصل إلى الشاشة اللمسية. ولذلك ما زالت السبابة تحتفظ بدورها التقليدي: الأصبع الذي يشير، ويختار، ويؤكد.
ومن هنا، فإن اختلاف حركة الأصابع ليس دليلا على تفوق جيل على آخر، بل هو تعبير عن ذاكرة حركية مختلفة، تشكلت في بيئات تقنية مختلفة.
غير أن هذه الملاحظة تفتح بابا أوسع للنقاش.
هل تغير الهواتف الذكية طريقة استعمال أيدينا فقط؟ أم أنها تعيد تشكيل علاقتنا بالزمن، والانتباه، والتواصل؟
الشباب يكتبون بسرعة هائلة، ينتقلون بين عشرات الرسائل في دقائق، ويستطيعون إنجاز مهام متعددة في الوقت نفسه. في المقابل، يقرأ كثير من الكبار الرسائل ببطء، يعيدون مراجعتها، ويمنحون كل كلمة وقتها.
هل يعني ذلك أن جيلاً أكثر ذكاء قد ظهر؟ بالتأكيد لا نعرف و إن كان الذكاء لا يقاس بسرعة الإبهام، كما لا يقاس بعدد الرسائل المرسلة في الدقيقة. لكنه يكشف عن أن كل جيل يطور مهارات تتناسب مع البيئة التي يعيش فيها. وربما يكون التحدي الحقيقي اليوم هو أن نحافظ على التوازن بين سرعة التكنولوجيا وعمق التفكير.
يلفت عالم الأعصاب الفرنسي ستانيسلاس دوهان إلى أن الدماغ لا يخلق أعضاء جديدة عندما تظهر التقنيات الحديثة، بل يعيد توظيف دوائره العصبية القديمة لأداء وظائف جديدة. ولعل الهاتف الذكي هو أوضح مثال على ذلك في عصرنا.
وفي اعتقادي، فإن أجمل ما في ما اسنتجته من الترام أن التفرج على سامفونية الإبهام على الهاتف تعلمنا قيمة الملاحظة.
قد يجلس شخص في ترامواي الرباط–سلا فلا يرى سوى مجرد ركاب منشغلين بهواتفهم، بينما يرى صحافي باحث سابق في البيولوجيا تجربة علمية حية تجري أمامه. الحقيقة أن النظرتين معا ضروريتان. فالصحافة تبدأ من التفاصيل، والعلم يبدأ من السؤال.
لذلك، أدعو القارئ في المرة المقبلة التي يستقل فيها الترام أو يجلس في مقهى أو ينتظر في محطة، ألا يكتفي بالنظر إلى الشاشات، بل أن ينظر إلى الأيدي.
فالأصابع، في كثير من الأحيان، تروي قصة عصر بأكمله.
وربما بعد سنوات، عندما يدرس الباحثون بدايات القرن الحادي والعشرين، لن ينظروا فقط إلى الهواتف التي استعملناها، بل إلى الطريقة التي استعملنا بها أصابعنا، لأنها كانت أول شاهد على التغير الهادئ الذي أحدثته التكنولوجيا في الإنسان. يومكم سعيد.
المصدر: اليوم 24
