خبير اقتصادي: البحرين مؤهلة لقيادة التحولات الخليجية والعالمية في ظل الأحداث الإقليمية
قال الخبير الاقتصادي الدكتور فيصل عبد القادر: إنه “لا يمكن فهم التحولات الراهنة في العالم بمعزل عن البنية التاريخية للنظام الدولي. فالنظام الدولي لم يتشكل عشوائياً، بل تأسس على قاعدة قانونية متينة تمثلت في نشوء القانون الدولي الذي نظم العلاقات بين الدول وأرسى إطاراً للتعامل بينها. وقد تعزز هذا الإطار بعد الحرب العالمية الثانية من خلال إنشاء الأمم المتحدة، كمنصة لضمان السلم والأمن الدوليين وتجسيد فكرة التعاون متعدد الأطراف”.
وأضاف د. عبدالقادر: “أما الأحداث الجارية اليوم في الشرق الأوسط، فتشير إلى أننا مقبلون على مرحلة جديدة من النظام العالمي، ربما يمكن تسميتها بـ ‘نظام متعدد الأقطاب’. خلال الأشهر الماضية، كثُر الحديث عن ظهور ما يسمى بـ Global South، الذي يشمل دول إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، وما يرافقه من اتفاقيات اقتصادية وتحولات جيوسياسية، و تكتلات عسكرية. في منطقتنا، يُعاد باستمرار التأكيد على أهمية التعاون العربي والتكامل الإقليمي، وما أراه بوضوح أن مجلس التعاون الخليجي يتموضع بقوة وسط هذا الزخم المتغير من التحالفات الدولية”.
وأكد: “لمجلس التعاون الخليجي دور حيوي في تشكيل النظام العالمي الجديد، أشبهه بوظيفة ‘الأخصائي في التوليد’، الذي يضبط قواه الاقتصادية ووحدته الداخلية ليكون قادراً على المساهمة في تنقيح نظام شامل للأمن والسلم الدوليين. وهنا تبرز مكانة مملكة البحرين، الدولة الخليجية الوحيدة التي ترأست المجلس في دورتين تشريعيتين؛ الأولى في أواخر التسعينات، والثانية هذا العام، مما يؤهلها للعب دور قيادي في هذا المخاض العالمي”.
وتابع الخبيرالاقتصادي: “يشمل الدور المطلوب تطوير ميثاق الأمم المتحدة وتفعيل قرارات الجمعية العامة حول ما يعرف بـ Peace Building وPeace Making، لضمان نظام عالمي يعتمد على العدالة الفاعلة، ويحقق الأمن والسلم الدوليين. وأؤكد أن العديد من محطات مجلس الأمن الدولي تكشف وجود خلل في تطبيق هذه القرارات، خصوصاً في المذكرات التفسيرية التي تُبنى عليها مسودات القرارات المقدمة للتصويت، وهو ما يستدعي مراجعة دقيقة لضمان جدوى وفاعلية النظام الدولي في المستقبل”.
وقال عبد القادر “تاريخيا مع تطور القرن العشرين، بدأنا نرى انحرافاً تدريجياً في استخدام القانون الدولي، حيث أصبح في كثير من الأحيان أداة تخدم القوى الكبرى، خصوصاً الاقتصادية منها. هذا خلق اختلالاً في التوازن، وأضعف ثقة الدول النامية في عدالة النظام. اليوم نحن أمام مرحلة انتقالية يمكن وصفها بـ”المخاض”، حيث تتشكل ملامح نظام عالمي جديد في ظل صراعات جيوسياسية واقتصادية حادة”.
واستطرد قائلا: “السياسات التجارية أصبحت سلاحاً استراتيجياً بامتياز. ما نشهده من فرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية، خاصة خلال إدارة دونالد ترامب، لم يكن مجرد إجراء اقتصادي، بل أداة لإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية والضغط على المنافسين، وعلى رأسهم الصين. هذه السياسات أسهمت في تقويض مفهوم “التجارة الحرة” الذي قام عليه النظام الاقتصادي العالمي لعقود، ودفعت العديد من الدول لإعادة التفكير في اعتمادها على الأسواق الغربية.الطاقة تظل جوهر الصراع الدولي. ما حدث في فنزويلا مثال واضح على كيف يمكن أن تتحول الموارد الطبيعية إلى ساحة تنافس جيوسياسي. واليوم، نشهد مشهداً مشابهاً في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع المصالح حول مصادر الطاقة وممراتها الحيوية. السيطرة على هذه الممرات لا تعني فقط التحكم في الإمدادات، بل في الاقتصاد العالمي بأسره، لأن الطاقة لا تزال المحرك الأساسي للنمو”.
هناك إعادة توزيع تدريجي لمراكز القوة. لم تعد الهيمنة أحادية كما كانت بعد الحرب الباردة، بل نحن أمام تعددية قطبية ناشئة. هذا يظهر بوضوح في صعود تكتلات جديدة مثل مجموعة بريكس، التي تمثل محاولة لإعادة التوازن في النظام الدولي، سواء اقتصادياً أو سياسياً.
وجاء تصريح الخبير الاقتصادي لـ “البلاد” في سياق تعليقه على الأحداث الجيوسياسية الجارية في منطقة الشرق الاوسط ومن قبل توجه دول بريكس نحو إنشاء نظام مدفوعات رقمي بديل يعكس رغبتها في تقليل الاعتماد على الدولار والنظام المالي الغربي، حيث يرى مراقبون أن هذا التحرك إن نجح، قد يُحدث تحولاً عميقاً في بنية النظام المالي العالمي، لأنه يفتح الباب أمام نظام أكثر تنوعاً وأقل خضوعاً لهيمنة عملة واحدة.
وأفاد المراقبون: “نحن نتحدث هنا عن إعادة صياغة قواعد اللعبة، وليس مجرد تطوير تقني. ما نراه هو تراجع في الالتزام بالقانون الدولي، خاصة من قبل بعض القوى الكبرى، وهو ما يضعف من هيبة النظام الدولي ويقوض أسس العدالة التي قام عليها. عندما تُستخدم القوانين بشكل انتقائي، تفقد مصداقيتها، وهذا ما يدفع الدول للبحث عن بدائل وتحالفات جديدة خارج الإطار التقليدي.العالم يتجه نحو إعادة تشكيل شاملة للنظام الدولي. نحن أمام مرحلة ستشهد صراعاً بين نماذج مختلفة: نموذج تقوده القوى التقليدية، وآخر تحاول القوى الصاعدة فرضه. النتيجة النهائية لم تتضح بعد، لكن المؤكد أننا مقبلون على نظام أكثر تعقيداً، وأقل استقراراً، لكنه قد يكون أكثر توازناً إذا ما أُعيدت صياغة قواعده بشكل عادل يعكس واقع القوى الجديد”.
المصدر: البلاد البحرينية



