«خطاب الهراء» العربي
يؤرِّخ أغلب المفكرين العرب بحملة نابليون على مصر 1798 بأنها تُشكّل بداية ما صار يُعرف بعصر النهضة العربية و«خطاب النهضة» مع قدوم «المطبعة»، وكان لخطابات الرموز الذين شرعوا في بناء هذا الخطاب لمواجهة التحدي الغربي الجديد أثرٌ بالغٌ، وعلى رأسهم رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وغيرهما، وتبعهما تيارٌ مختلفٌ وهو تيار إسلامويٌ جديدٌ، مثله خطاب جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وتساءل شكيب أرسلان: «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟»، ومن ثم نشأ تياران متباينان في التعبير عن «أي نهضةٍ نريد؟» فحين اتجه تيارٌ سياسيٌ وثقافيٌ وأدبيٌ جديد باتجاه مزيد الحرية ونقد التراث ومحاولة التأقلم مع الثقافة الغربية السائدة المنتصرة والاستفادة منها في شتى المجالات، كما عبّرت عنه شخصياتٌ سياسيةٌ وأدبيةٌ وثقافية وكتبٌ ومجلاتٌ وصحفٌ، ومن أبرزهم العقاد وطه حسين ومعاصروهما، وخرجت مجلات شهيرةٌ مثل، مجلة الرسالة للزيات ومجلة الثقافة لأحمد أمين، وتيارٌ إسلامويٌ آخر عبّر عنه رشيد رضا ومحمد عبده، ومجلاتٌ مثل، مجلة العروة الوثقى ومجلة المنار، ثم قامت الحرب العالمية الثانية وتمكّنت الحركة العسكرية من إسقاط الملكية في مصر وبداية ثورة الضبّاط مطلع الخمسينيات.
يمكن التأريخ لبداية ظهور «خطاب الهراء» في الثقافة العربية بهذه المرحلة المهمة، فقد بدأت تتباين الخطابات مع تطورٍ كلٍ منها باتجاه مختلفٍ، فقد سيطرت طروحات القومية العربية على غيرها من خطابات النهضة فانحرفت بها نحو الكثير من الكتب والتنظيرات والمجلات التي اتجهت من التفكير المنطقي إلى الشعارات والمزايدات، ونظرت كثيراً لذلك عبر كثيرٍ من «الهذر» الذي لا يؤدي إلى شيء.
وبالمقابل، تطور الخطاب الإسلاموي إلى نفس الاتجاه في صناعة «خطاب الهراء» وإن في الجهة المعاكسة، وبدأت كتابات «سيد قطب» الأدبية الدينية التي لا تقوم على أي قواعد دينيةٍ أو فكريةٍ متماسكةٍ بالسيطرة على المشهد، وورثه أخوه محمد قطب على نفس الطريقة، وإنْ بلغةٍ لا تمتلك شيئاً من سحر بيان سيد.
خطاب نقد التراث اتّجه به البعض من الكتاب إلى غزارة الإنتاج، بما يمثل «هراءً» خاصاً، وتجلّى في كتابات أشخاصٍ مثل خليل عبدالكريم أو سيد القمني وأمثالهما، بينما تفنّن رموز الإسلام السياسي في مؤلفاتٍ لها أولٌ وليس لها آخرٌ في التفنن في خطاب «الهراء» الإسلامي، حيث أصبحت المطابع تدفع بكامل قوتها منتجةً سيلاً تأليفياً في الدين والسياسة والثقافة والإعلام لا يكاد يقول شيئاً منهجياً مؤصّلاً ومتماسكاً، بل هي الكثرة للكثرة والهذر للهذر.
وهذه الكتب شكّلت صراعاتٍ جوفاء بين تيارات احترفت صناعة الهراء والتمجّد بالهذر، وقد اتفقت هذه الأطراف على اعتماد الكذب والتزوير والدجل في قراءة المشهد المعاصر دينياً وسياسياً وثقافياً، ثم تطوّرت نحو سعيٍ حثيثٍ لإعادة تأويل التراث كاملاً بما يتناسب مع توجهات كل طرفٍ، فبعد أن كان الهمُّ في بداية النهضة نحو إصلاح «الخطاب الديني» وتطويره، اتجه في الآخر نحو صناعة التطرف والتكفير والإرهاب، وبعد أن قدّم الأوائل قراءاتٍ منفتحة للتراث، اتجه به آخرون نحو قراءاتٍ ثوريةٍ على كل قيم المجتمع ودينه وعقله، وقد سعى الطرفان لإعادة كتابة التاريخ العربي والإسلامي كلٌ بحسبه.
إنّ التعبير بالهراء والهذر لرصد هذه الظاهرة لا يراد منه بأي حالٍ من الأحوال السخرية أو الاستهزاء، بل هي محاولة جادةٌ للتوصيف الذي يعبّر عن الظاهرة، وهو ما انفجر في هذا الوقت انفجاراً مهولاً مع «وسائل التواصل الاجتماعي» وظاهرة «التفاهة الممنهجة».
أخيراً، فإنه لا شكّ في أن محاولات رصد ظاهرة بهذا الحجم وإحكام تصورها فكرياً ومنهجياً تحتاج لجهدٍ كبيرٍ، ولكن يكفي هنا من القلادة ما أحاط بالعنق.
نقلاً عن الاتحاد
المصدر: العربية – سياسة




![LIVE NOW! The future of Europe’s machinery manufacturing industry – How can it remain globally competitive? [Advocacy Lab]](https://www.rivonews.online/wp-content/uploads/2026/06/GettyImages-600067842.jpg)