خلاف عابر.. وليس طلاقاً بائناً!
يوم الخميس الماضي، وجّه نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أعنف هجوم من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إسرائيل. والسؤال هل يعني هذا الهجوم الشديد تغيراً في علاقة التحالف الوثيق بين البلدين؟. قبل الإجابة، فإن جوهر ما قاله فانس جاء في سياق مقابلة مطولة مع بودكاست جو روجان، بأن عناصر داخل الحكومة الإسرائيلية مولت محاولات للتأثير في الرأي العام الأمريكي، في ما يتعلق بمذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران، وأن هذا النوع من الضغط الأجنبي على القرار الأمريكي أمر غير مقبول، حتى لو من أي دولة حليفة.
فانس قال أيضاً إنه يمثل المصالح الأمريكية التي يجب أن تبنى على ما يخدم أمريكا، لا ما تريده أي حكومة أجنبية. فانس قال إن من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها، لكن عليها أن تحترم عملية السلام، خصوصاً أنه كلما نقترب من الوصول لاتفاق، تحاول إسرائيل إفشاله بالهجوم علي لبنان.. هذا ما قاله فانس يوم الخميس، وللتذكير، فإنه، وعقب توقيع مذكرة التفاهم، وجّه فانس انتقادات حادة، ليس فقط للحكومة الإسرائيلية والمتطرفين فيها، بل ولإسرائيل نفسها، وخاطب نتنياهو مباشرة كي يضبط حكومته، وألا يتحدى الحكومة الأمريكية.
يومها، قال فانس كلاماً غير مسبوق، مثل أن بلاده مولت ثلثي الأسلحة التي حصلت عليها إسرائيل. السؤال الذي يتكرر كل فترة، مع أي خلاف بين واشنطن وتل أبيب: هل هذا طلاق بائن، أم خلاف عابر؟.. أغلب الظن أنه خلاف عابر، على الأقل حتى هذه اللحظة.
التجارب السابقة تقول بوضوح إن العلاقة بين البلدين عضوية ومتشابكة، حتى لو شهدت بعض الخلافات.. والذي يدعونا إلى هذا الجزم، أن غالبية أعضاء الكونغرس يؤيدون إسرائيل تأييداً كاسحاً.. نعم هناك تململ ومعارضة من بعض قطاعات شبابية ضد الممارسات الإسرائيلية، لكن ذلك لم يصل حتى الآن إلى دوائر صنع القرار.. كل من يتابع تاريخ علاقات البلدين، يعرف أن الرئيس الأمريكي الأسبق، هاري ترومان، هو أول من اعترف بإسرائيل، بعد دقائق من إعلان قيامها في 14 يوليو 1948، وبعده الاتحاد السوفييتي بثلاثة أيام.
ترامب يكرر كثيراً في الأسابيع الأخيرة أنه لولا الولايات المتحدة ما بقيت إسرائيل موجودة، والمؤكد أن كلامه صحيح تماماً.
وعلى أرض الواقع، فإن علاقات البلدين راسخة طوال العقود الماضية، وحتى في حالة وجود خلافات، فإنها تدور حول قضايا فرعية، وليست الجوهرية. إذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن فهم تصريحات فانس الأخيرة ضد إسرائيل؟.
أولاً، أن هذه هي قناعة فانس بضرورة التوصل لاتفاق مع إيران، لكن في إطار المصالح الأمريكية، خصوصاً أنه كان من المترددين في مهاجمة إيران يوم 28 فبراير الماضي.. ثانياً أن هذه التصريحات هي تقسيم أدوار، بمعنى أن يبدو فانس متشدداً ضد إسرائيل، ومارك روبيو مؤيداً جداً لها، في حين يمارس ترامب هوايته في إرسال الرسائل المتناقضة، في إطار سياسته المتقلبة.
ثالثاً، هو ما ألمح إليه البعض، ومنهم الكاتب الإسرائيلي المعارض آلون مزراحي، بأن تصريحات دي فانس ليست إلا عملية تضليل نفسي واضحة، وأن واشنطن على وشك الشروع في تصعيد كبير، بالتعاون مع تل أبيب، ببدء حرب أوسع نطاقاً، وربما عملية برية.
رابعاً: لا يمكن استبعاد أن تكون هذه التصريحات تأتي في سياق تحضير فانس نفسه لخوض انتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة، بعد أكثر من عامين، وإذا صح هذا الاستنتاج، فإن فانس يخاطب تياراً مهماً داخل الحزب الجمهوري، يرفع «شعار أمريكا أولاً»، لمواجهة الانتقادات الشديدة الموجهة لإسرائيل داخل التيارات التقدمية والشبابية في الحزب الديمقراطي، وأحد أبرز تجلياته الآن، هو زهران ممداني، عمدة نيويورك.. خامساً: رغم كل ما سبق، فمن المهم تذكير قطاعات مختلفة من النخب العربية خصوصاً في بعض وسائل الإعلام، بأنه من الخطأ البالغ، فهم تصريحات فانس أو غيره باعتبارها انقلاباً في السياسة الأمريكية ضد إسرائيل.. الرجل نفسه يقول إنه يؤيد إسرائيل، ويؤيد دفاعها عن نفسها، ويعارض بشدة امتلاك إيران للسلاح النووي، أو حتى الهيمنة الإقليمية.. لكن الفارق أنه يفضل أن يتم ذلك بطرق دبلوماسية، وليس عبر الطريقة الإسرائيلية، أي حروب دائمة لا تتوقف، كما قال فانس مؤخراً.
من أجل كل ما سبق، فمن المهم الحذر والتريث مع أي تصريحات أمريكية ضد إسرائيل، وعدم التعامل معها باعتبارها تغيراً دراماتيكياً أمريكياً ضدها.. باختصار شديد، هذا لم يحدث حتى هذه اللحظة.
نقلاً عن “البيان”
المصدر: العربية – سياسة





