دلالات “مركز الثقل” ومستقبل الدور الأمريكي في سوريا
عنب بلدي – شعبان شاميه
بين أروقة مجلس الشيوخ الأمريكي ومجريات الميدان السوري، ترتسم ملامح مرحلة سياسية وعسكرية غير مسبوقة، إذ جاءت شهادة قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، الأدميرال تشارلز برادفورد كوبر الثاني، لتعيد صياغة التموضع الأمريكي في المنطقة، واضعةً سوريا في قلب الاستراتيجية الدولية كـ”مركز ثقل” في الحرب ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” لا يمكن تجاوزه.
تناقش عنب بلدي في هذا التقرير الأبعاد الأمنية لإفادة قائد “سنتكوم”، إضافةً إلى دلالات التوقيت وتغير الخطاب الدبلوماسي، وآفاق الدعم المستدام لدمشق، والسيناريوهات المتوقعة لمستقبل الوجود الأمريكي عسكريًا وأمنيًا.
أبعاد استراتيجية ومخاوف
ترى الباحثة والمحللة السياسية المتخصصة في قضايا الشرق الأوسط، إيفا ج. كولوريوتيس، في حديث إلى عنب بلدي، أنه على الرغم من الحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران ووكلائها في المنطقة، لا تزال واشنطن تنظر إلى التنظيمات الجهادية السنّية، وعلى رأسها تنظيم “الدولة”، بوصفها مصدر خطر على أمنها الدولي والداخلي.
وأضافت كولوريوتيس، أن هناك أيضًا من يرى أن مساري هذين “التهديدين”، إيران ووكلائها من جهة، والجماعات الجهادية من جهة أخرى، قد يتقاطعان في مرحلة ما، كما حدث سابقًا في أكثر من حالة.
قالت الباحثة، إنه بعد الحرب الأمريكية ضد “طالبان”، لجأ تنظيم “القاعدة” في أفغانستان سابقًا إلى داخل الأراضي الإيرانية. وبالمثل، تعاونت الجماعات الشيعية العراقية المرتبطة بطهران مع تنظيمات جهادية سنّية في العراق بعد الغزو الأمريكي وسقوط نظام صدام حسين.
كما أن الجماعة الإسلامية في لبنان تنسق تحركاتها العسكرية في الجنوب مع “حزب الله”.
ومن وجهة نظر كولوريوتيس، تعتقد واشنطن أن الحرب ضد إيران ووكلائها في المنطقة قد تدفع ليس فقط تنظيم “الدولة” إلى استغلال هذا الانشغال لإعادة تنظيم وجوده في الشرق الأوسط، بل قد تدفع طهران أيضًا إلى دعم التنظيم بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، وتحويله مرة أخرى إلى مصدر استنزاف وخطر على أمريكا وإسرائيل والغرب.
من جهته، اعتبر الباحث الأول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” الدكتور سمير العبد الله، في قراءة لعنب بلدي، أن التحليل العميق لإفادة “سنتكوم” يُظهر أن الخوف الأمريكي الحقيقي ليس عودة تقليدية لتنظيم “الدولة”، بل ظهور “بيئة فوضى مستدامة”.
أما مسألة محاربة تنظيم “الدولة” فمعظم الدول ترى أن التنظيم انتهى من حيث السيطرة المكانية، بحسب العبد الله، لكنه بمرحلة كُمون، ويتبع استراتيجية جديدة في هذه المرحلة، تقوم على إعادة ترتيب صفوفه والتجنيد بانتظار الفرصة المناسبة لإعادة الظهور مجددًا.
وتشكّل سوريا مجالًا مكانيًا مهم لتنظيم “الدولة”، تبعًا للباحث، خاصة أنها بمرحلة انتقالية، لم تستكمل بعد بناء أجهزتها الأمنية والعسكرية، مع حالة ضعف اقتصادي، وهي البيئة المناسبة لإحياء التنظيم.
قراءة في توصيف “مركز الثقل”
تعتبر كولوريوتيس أن تصريح الجنرال تشارلز برادفورد كوبر الثاني، بشأن اعتبار دمشق “مركز ثقل”، هو تأكيد من الإدارة الأمريكية أن عملياتها العسكرية ضد تنظيم “الدولة” تأتي ضمن عملية “العزم الصلب”.
وينعكس ذلك أيضًا، وفق كولوريوتيس، في الزيارات المتكررة التي يجريها جنرالات تابعون للقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) إلى دمشق، ومتابعتهم سير العمليات العسكرية التي تنفذها الحكومة السورية ضد تنظيم “الدولة” في البادية السورية.
أكدت الباحثة أن واشنطن أنشأت لنفسها مركز قيادة عمليات ضد تنظيم “الدولة” قرب دمشق بالتنسيق مع الحكومة السورية، وفق ما ذكرته مصادر داخل دمشق وخارجها، مشيرة إلى أن هذه خطوة أولى ستتبعها خطوات أخرى لزيادة التنسيق بين الجيش الأمريكي والجيش السوري.
يعتقد الباحث الأول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” الدكتور سمير العبد الله، أن إفادة قائد القيادة المركزية الأمريكية أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي تعكس المقاربة الأمريكية لسوريا ما بعد سقوط نظام الأسد، إذ انتقلت لمرحلة إدارة ما بعد الصراع، إضافة إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط بعد التطورات الإقليمية التي شهدتها المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة، لذلك وصفها بأنها “مركز ثقل”، معتبرًا أنها كذلك بالفعل بالنسبة لتلك التطورات.
واللافت، بحسب العبد الله، أن “سنتكوم” لم تتحدث عن سوريا باعتبارها “ساحة مكافحة إرهاب” فقط، بل باعتبارها “مركز الثقل”، مبينًا أن هذا التعبير في العقيدة العسكرية الأمريكية ليس توصيفًا تكتيكيًا، بل يُستخدم عندما ترى المؤسسة العسكرية أن مصير منظومة إقليمية كاملة يمكن أن يُحسم من خلال عقدة جغرافية- سياسية معينة.
وأشار العبد الله إلى أن مستقبل تنظيم “الدولة” قد يُحسم في سوريا أكثر من دول الجوار، كما أن استقرار سوريا وانضمامها للتحالف الدولي لمحاربة تنظيم “الدولة” فرصة للعالم للتخلص منه أو من أي تنظيمات مشابهة، مبينًا أن سوريا عقدة في محاور وتحالفات المنطقة، لذلك توليها أمريكا هذه الأهمية.
رسائل سياسية
في شرحها لأبرز الرسائل التي توجهها “سنتكوم” إلى الرأي العام الأمريكي والقوى الإقليمية من خلال هذه الإحاطة في هذا التوقيت تحديدًا، قالت كولوريوتيس، إن إدارة “ترامب” والقيادة المركزية الأمريكية تُعيدان التأكيد للرأي العام الأمريكي أنهما لا تزالان ملتزمتين بمحاربة تنظيم “الدولة”، وأن التنظيم ما زال يشكل تهديدًا رغم أن الرئيس دونالد ترامب كان قد أعلن هزيمته قبل سنوات.
من جهة أخرى، تشكل هذه الإحاطة، تبعًا لكولوريوتيس، رسالة إلى المشككين في الحزبين الجمهوري والديمقراطي بأن إدارة “ترامب” لديها تعاون استراتيجي مع الحكومة السورية، وخصوصًا في ملف مكافحة تنظيم “الدولة”، وأن هذه بداية لتعاون أوسع في ملفات أخرى، بعضها مرتبط بالداخل السوري وبعضها الآخر متصل بقضايا إقليمية.
كما تنقل هذه الإحاطة، بحسب الباحثة في شؤون الشرق الأوسط، رسالة إلى الرأي العام الأمريكي بأن واشنطن تحافظ على اتصال وثيق مع الحكومة السورية، وتثق بها وبسياساتها الداخلية.
من جهته، يرى الباحث سمير العبد الله أن الإدارة الأمريكية تريد من ناحية تبرير استمرار تدخلها ووجودها في المنطقة، وتوجه رسالة للإدارة السورية بأن التعاون مشروط بالملفات الأمنية والاستخباراتية بشكل أساسي، وأنها لن تسمح بعودة سوريا ضمن حلف روسيا وإيران.
لكن هذا لا يعني تحولًا سياسيًا كاملًا، وفقًا للعبد الله، إذ إن الولايات المتحدة لا تزال تتعامل ببراغماتية وحذر مع الإدارة الجديدة في سوريا.
الوجود العسكري والأمني الأمريكي
وفق كولوريوتيس، فإن ترامب لا يريد زيادة عدد القوات الأمريكية في سوريا أو في العراق بالمرحلة الحالية على الأقل، إذ إن خطر تنظيم “الدولة” الآن لا يستدعي ذلك، كما أن الحرب على إيران ووكلائها لم تنتهِ بعد.
لكن في مرحلة لاحقة، قد يصبح التعاون العسكري الأمريكي مع الحكومة السورية أكثر علنية، بحسب كولوريوتيس، وبالتالي توقيع اتفاقيات أمنية وعسكرية مع دمشق تُتيح لواشنطن استخدام الأراضي السورية في عمليات “مكافحة الإرهاب”، وفتح قواعد عسكرية في هذا السياق.
من جانبه، يرى الدكتور العبد الله أن كل المؤشرات الحالية تُشير إلى أن أمريكا ستعمل على إعادة التموضع في المنطقة، وتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي، دون العودة لانتشار كبير للقوات الأمريكية.
دعم يتجاوز الاعتبارات العسكرية
قالت كولوريوتيس، إن السياسة الحالية للإدارة الأمريكية، والمتمثلة في الاعتراف الرسمي بالحكومة في دمشق، ثم رفع العقوبات، واللقاء بين الرئيس ترامب والشرع، تشكل رسالة إلى المنطقة والمجتمع الدولي تشجع على انخراط أوسع مع دمشق في جميع المجالات.
وينعكس ذلك عمليًا، وفق الباحثة في شؤون الشرق الأوسط، من خلال زيارات الشرع ووزير خارجيته إلى ألمانيا وبريطانيا، وتوقيع دمشق اتفاقيات اقتصادية مع دول في الاتحاد الأوروبي، وفتح الباب أمام تعاون وثيق بين دول الخليج والحكومة السورية في مجالات الأمن والطاقة وإعادة الإعمار والاستثمار.
وبالتالي، يمكن القول إن إعطاء واشنطن الضوء الأخضر للحكومة السورية يعني عودة سوريا إلى المجتمع الدولي، ومن ثم بداية عملية التعافي وإعادة البناء.
بدوره، يعتقد العبد الله أن تأثير الرؤية الأمريكية كان وسيكون واضحًا أكثر على تفاعلات الدول الإقليمية مع الإدارة السورية الحالية، وهذا ما يتمثل بإقبال الدول الفاعلة في الشأن السوري، ما عدا إيران، على دعم سوريا، والاستثمار في استقرارها.
وأكد أنه لو كان الموقف الأمريكي مختلفًا لكانت مواقف كثير من الدول مختلفة عما هي عليه الآن، وأن سوريا اليوم ضمن اهتمام أمريكا، وستعمل الدول على التحرك ضمن الهامش الذي ستسمح به أمريكا لها بالتحرك.
كما أن هناك الكثير من التحديات، وفق العبد الله، منها مدى نجاح التعاون الأمني في الحد من المخاطر وتهديدات تنظيم “الدولة” وغيره، وكذلك استكمال بناء المؤسسات الأمنية بأسرع وقت وسيطرتها على الأراضي السورية، خاصة البادية التي ينشط بها تنظيم “الدولة”.
وتابع الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” أن أمريكا تستطيع دعم استقرار مُستدام في سوريا، إضافة إلى تشجيع الدول والشركات على الاستثمار اقتصاديًا فيها، غير أن النجاح مرتبط بقدرة الحكومة السورية الانتقالية على تحقيق ذلك، فأمريكا تمكنت من القضاء على التنظيم عسكريًا، غير أن منع عودته يتطلب استقرارًا أمنيًا واقتصاديًا وسياسيًا، وهذا ما تعوّل عليه واشنطن في سوريا، وفقًا للباحث.
إفادة قائد “سنتكوم” تمثل إعلانًا غير مباشر عن العقيدة الأمريكية الجديدة في سوريا: إدارة الاستقرار الهش، ومنع الانهيار الكامل، والحفاظ على النفوذ بأقل تكلفة ممكنة، لإعادة تشكيل المنطقة كما حدث بعد غزو العراق، وهذا ما يجعل سوريا، في الرؤية الأمريكية الحالية، ليست مجرد ساحة صراع، بل محور لإعادة رسم توازنات الشرق الأوسط بأكمله.
الدكتور سمير العبد الله
باحث أول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”
تنظيم “الدولة” يستنهض المقاتلين الأجانب
في 14 من أيار الحالي، حذرت صحيفة “النبأ” الناطقة باسم تنظيم “الدولة الإسلامية”، من أن مصير المقاتلين الأجانب الذين شاركوا في القتال إلى جانب فصائل المعارضة السورية بات مهددًا بالتصفية، في ظل تعامل السلطات السورية الجديدة معهم بوصفهم “عبئًا يجب التخلّص منه”، بحسب تعبيرها.
واعتبرت الصحيفة، في افتتاحية عددها، أن الحملة الأمنية الأخيرة التي استهدفت مقاتلين من أوزبكستان تمثل دليلًا على ما وصفته بـ”انكشاف حقيقة” القوى التي واجهها التنظيم خلال السنوات الماضية، مشيرة إلى أن الفصائل التي قاتلت تحت شعار الثورة تحولت اليوم إلى سلطات تسعى لقمع التيار الإسلامي المتشدد.
وترى الصحيفة أن ما يواجهه هؤلاء المقاتلون حاليًا هو نتيجة مباشرة لما وصفته بـ”توجيهات مضللة” دفعتهم للقتال خارج صفوف تنظيم “الدولة الإسلامية”، محملة شخصيات دينية مسؤولية توجيه الشباب نحو مشاريع سياسية وصفتها بـ”الفاشلة”.
وجددت الصحيفة دعوتها للمقاتلين الأجانب إلى مراجعة مواقفهم والانضمام إلى التنظيم، معتبرة أن هذا الخيار هو الوحيد الذي يضمن لهم “مكانة محترمة” قبل أي تغير سياسي وبعده.
كما حذرت من أن بقاء المقاتلين الأجانب في سوريا لن يكون مقبولًا من إسرائيل، مضيفة أن القيادة السورية الجديدة، في إشارة إلى الرئيس أحمد الشرع، حريصة على الحفاظ على علاقات جيدة مع دول الجوار.
ويُظهر تقاطع خطاب “النبأ” مع التطورات الميدانية أن ملف المقاتلين الأجانب لا يزال يمثل تحديًا أمنيًا وسياسيًا للحكومة السورية الجديدة، في وقت تحاول فيه الموازنة بين فرض سيطرتها على كامل الأراضي السورية، وإدارة إرث التحالفات السابقة، والتعامل مع الضغوط الإقليمية والدولية، وسط محاولات من تنظيم “الدولة الإسلامية” لاستثمار هذا الملف في استقطاب أتباع جدد.
المصدر: عنب بلدي