دمشق بين “ناتو الشرق الأوسط” وفخ الفوضى
خالد المطلق
بعد مرور أكثر من عام على سقوط النظام السابق وتولي الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع مقاليد الأمور، تجد دمشق نفسها اليوم أمام المنعطف الأكثر خطورة والأعلى قيمة استراتيجية في تاريخها الحديث، حيث لم يعد السؤال السوري متمحورًا حول كيفية إدارة الإرث الثقيل لدولة مدمرة، بل بات حول طبيعة الهوية الاستراتيجية ونوع التحالفات الإقليمية التي ستختار دمشق الانخراط فيها، وهو اختيار لن يرسم فقط موقع سوريا الخارجي، بل سيعيد صياغة طبيعة نظام الحكم وبنيته الداخلية وشكل السلم الأهلي فيه.
من الواضح أن الجغرافيا السياسية المحيطة بسوريا اليوم تتحرك برتم متسارع تقوده رغبة أمريكية واضحة بالاستفادة من التحولات الجذرية في المنطقة، وثمة انطباع يتبلور في واشنطن بأن الإدارة الانتقالية في دمشق تبدي مرونة “براغماتية” للمضي قدمًا نحو صياغة شراكة استراتيجية قد تفضي في الظروف المناسبة إلى الدخول في عملية سلام مع إسرائيل، وهذا التحول ليس معزولًا بل يندرج ضمن مساعٍ حثيثة لإدماج دمشق في ترتيبات أمنية واسعة النطاق تشرف عليها الولايات المتحدة بكثافة وسرعة غير مسبوقتين بما يمكن تسميته “ناتو الشرق الأوسط”، وهو مشروع طُرح منذ ما يقرب من عقدين لكن حاجته الأمريكية تتبلور الآن كأداة حاسمة لترسيخ خارطة نفوذ جديدة، لكن هذا المسار نحو الاندماج الإقليمي لا يبدو مفروشًا بالورود، فالقوى الدولية والإقليمية وفي مقدمتها إسرائيل لا تبني استراتيجياتها على النيات بل على الاختبارات الميدانية الصارمة، إذ تقف إسرائيل اليوم بموقف المراقب الحذر متمسكة بنقدها البنيوي للوضع الداخلي السوري ومحتفظة بحق التدخل العسكري المباشر لحماية أمنها كما يظهر في عملياتها المستمرة لضمان عدم تسيد الفصائل الجهادية المتطرفة المشهد السوري.
ويتجلى هذا القلق بوضوح في الوثائق والتقارير الصادرة عن القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، التي تعكس هواجس عميقة من عودة الفوضى والإرهاب، وتحديدًا صعود كيانات متطرفة جديدة قد تولد من رحم الانقسامات الراهنة حتى وإن لم تحمل مسمى “داعش”، فدعوات التنظيمات المتطرفة الأخيرة للمقاتلين الأجانب بالنفير بدعوى تعرضهم لـ”الخيانة” من قبل رأس السلطة الحالية تؤكد أن الساحة السورية مقبلة على مخاض أمني وعسكري دامٍ يمتد كطيف رمادي واسع بين الفصائل الجهادية ومراكز النفوذ التي لا تزال كامنة داخل البيئة المحلية، تحت هذا الضغط الأمني يبدو أن “سنتكوم” قد تسلمت زمام المبادرة الميدانية عبر تفعيل شراكتها التكتيكية مع الحكومة الانتقالية وإعادة دمج الأدوار الأمنية “بما فيها الشراكات السابقة مثل (قوات سوريا الديمقراطية)” لإغلاق الفضاء السوري تمامًا أمام احتمالات الفوضى، وهذا الانزياح نحو التنسيق الأمني والعسكري المباشر يعكس تحولًا في أولويات إدارة ترامب، حيث تتقدم الهزيمة الكاملة للإرهاب كشرط أساسي لأي اعتراف سياسي طويل الأمد.
في مقابل هذه الضغوط الأمنية تبرز لغة المصالح والاستثمارات كأداة جذب إقليمية، فالانفتاح الإماراتي الأخير على دمشق والتحركات الدبلوماسية الموازية من مصر والاتحاد الأوروبي لا تأتي من قبيل المصادفة، بل إنها رسائل “حسن نية” مشروطة ومحفزات سياسية واقتصادية تهدف إلى تشجيع دمشق على اتخاذ “الخيار الاستراتيجي الصحيح”، ومع ذلك فإن الوعود الاستثمارية الضخمة ولا سيما الخليجية منها لن تتدفق كمنح ريعية عمياء، بل هي مبنية على جدوى اقتصادية صارمة وتتطلب من دمشق تكييفًا بنيويًا كاملًا من خلال تفكيك الرأسمالية الاحتكارية الفاسدة وإصلاح مناخ الاستثمار وتحقيق المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية لضمان السلم الأهلي والحسم البنيوي بإنهاء نفوذ الفصائل الطائفية والمتطرفة داخل مؤسسات الدولة، هذه الشروط لا تثير قلق القوى الإقليمية الكبرى كالمملكة العربية السعودية التي تتبنى موقفًا ديناميكيًا يراقب بحذر مدى قدرة سوريا على التحلل من النفوذ الإيراني خصوصًا مع إصرار طهران على البقاء كعنصر فوضى إقليمي ومحاولاتها الأخيرة لفتح قنوات مع تيارات جهادية سنّية تحت لافتة العداء لواشنطن وإسرائيل، أما بالنسبة لتركيا فسيكون لها بلا شك دور اقتصادي وسياسي محوري في مستقبل سوريا لكنه لن يكون الدور الوحيد، ويتوقف على مدى رغبة أنقرة في التموضع كجزء من الترتيبات الأمريكية الجديدة أم لا.
إن الفرصة المتاحة أمام الحكومة الانتقالية في سوريا اليوم ليست شيكًا على بياض، ولا هي مفتوحة السقف الزمني، بل إن إيقاعها مضبوط بحدة الصراع الإقليمي الشامل ولا سيما مسار المواجهة المستمرة والمراجعة الأمريكية الشاملة للقدرات الإيرانية العسكرية في المنطقة بدءًا من أمن مضيق هرمز وصولًا إلى العمق السوري- العراقي.
خلاصة القول، تقف سوريا اليوم في مساحة اختبار رمادية بين سيناريوهين لا ثالث لهما، إما الاستجابة لمستحقات اللحظة الحاسمة وإجراء تغييرات جذرية في بنية الدولة نحو الشفافية والمشاركة ونبذ الإرهاب والاندماج في الحلف الإقليمي الجديد، وإما العودة إلى مربع الفوضى العارمة والنزاع الداخلي الدامي، واللعبة لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات وتتحكم بها عناصر مجهولة وركلات متبادلة تحت الطاولة بين القوى العظمى، لكن الأكيد أن الوقت المتاح لدمشق من أجل الحسم وبناء سوريا الجديدة ينفد بسرعة لا ترحم المتلكئين.
المصدر: عنب بلدي