روسيا–بوتين .. من يرث القيصر؟
من بين علامات الاستفهام المثيرة والتي تهتمّ بها الدوائرُ المؤسّساتيّة الغربيّة، أمنيّةً كانت أو سياسيّةً، ذاك المتعلّق بمستقبل النظام في روسيا بعد حكمٍ طويل للرئيس فلاديمير بوتين، قارَبَ ثلاثةَ عقودٍ.
لماذا يستشعر الأوربّيّون والأميركيّون القلقَ؟
دعونا نؤكّدْ بدايةً على أنّ القيصر بوتين قد استطاع بشكلٍ أو بآخر أن يعيد لروسيا الاتّحادِيّة بعضًا من الألق القديم، سواء في شكله القيصريّ أو صورته الحداثيّة.
كان ظهور بوتين عام 2000، بداية لاستنهاض الفينق الروسيّ من رماد الأوليجارشيّة الروسيّة التي ورثت أوضاع ميخائيل غورباتشوف، حين عرفت القوى الغربيّة كيف تسخّرها لهدم حلف وارسو.
جاء بوتين إلى الحكم من خلفيّة استخباراتيّة عتيدة، وكان ولا يزال يرى الخطأ الأكبر الذي حدث في القرن العشرين، متمثّلًا في تفكيك الاتحاد السوفيتيّ على النحو التي مضت به المقادير.
والشاهد أنّه منذ تمرُّد يفغيني بريغوجين، طَبّاخ الكرملين السابق، ورجل الميليشيا اللاحق، والذي حدث في يونيو 2003، والجميع يتساءل: “ماذا لو نجح مثلُ هذا التمرّد؟ من كان سيقبض على زمام الحكم في أكبر دولةٍ نوويّة في العالم، حيث يزيد عدد رؤوس الموت فيها، عن ما لدى الولايات المتّحدة الأميركيّة؟
يعود التساؤل إلى الآفاق اليوم في ظلّ حرب مع أوكرانيا أرهقَتْ الداخل الروسي، سواء عبر توجيه غالبيّة موازنة الدولة إلى الأعمال العسكريّة، أو من خلال العقوبات الاقتصاديّة المفروضة على موسكو، وبين هذه وتلك يبدو الرئيسُ بوتين ورغم عنفوانه الواضح، أضعف من ذي قبل، ما يفتح البابَ لتساؤلات الخلافة من الآن فصاعدًا.
عند “نينا خروشيفا”، أستاذة الشؤون الدولِيّة، وحفيدة الزعيم السوفيتيّ السابق نيكيتا خروشوف، أنّ موقف الرئيس بوتين أصبح أضعفَ وأضعف، على الرغم من ظهوره كمنتصرٍ في العديد من الساحات الأمميّة.
تحذّر خروشيفا من توقع حدوث تغيير سريع، مضيفة: “نشأت في ظل حكم بريجنيف. بدا الأمر وكأنّ حكمه سينهار تمامًا في أيّ لحظة، لكنَّ الأمر استغرق حوالي 18 سنة لكي ينهار”.
هل يشبه اليوم الأمس في روسيا؟
ممّا لا شكَّ فيه أنّ هناك أحاديثَ تجري من وراء الستار، لا سِيَّما بين جماعة السيلوفيكي الروسِيّة، أي كبار القادة والمؤيّدين للرئيس بوتين، حول مستقبل البلاد، ذلك أنّه مهما طال بقاء بوتين، فإنّه سيرحل عند نقطةٍ محدَّدة من الزمان، سواءٌ كان بسبب العجز الصحّيّ، أو التمرّد الداخليّ، وهناك سيناريو آخر مطروحٌ بقوّة، أن يقوم هو، وربّما قام بالفعل، بتجهيز خليفته.
هنا ربّما يخشى بوتين، وبعقلِيَّته الاستخباريّة كعقيد سابق في الكي جي بي الروسِيّة العتيدة، من أن تدخل روسيا دائرة الفوضى، ويعيد التاريخ نفسه، كما جرى بعد رحيل غورباتشوف، ومجيء بوريس يلتسين إلى سُدَّة الحكم.
لا توفّر الدوائر الاستخباراتِيَّة الروسِيَّة القول بوجود مُخَطَّطات غربيّة لتكرار تجربة تفكيك الاتّحاد السوفيتيّ مع روسيا عينها، بحيث تنقسم روسيا إلى كانتونات.
هذا السيناريو تخشاه أوروبّا والولايات المُتَّحدة بصورةٍ مخيفة، ذلك لأنّه يفتح المجال واسعًا للفوضى، حالَ غاب أو تمَّ تغييب بوتين لسببٍ أو لآخر.
من هنا تبدو مسألةُ ترتيب أوراق البيت الروسِيّ مهمّةً للشرق والغرب على حَدٍّ سواء، وربما تكون العجلة مطلوبة بشكل أو بآخر.
لكنَّ مسألةَ خلافة بوتين، كما يرى البروفيسور “جوليا جي. والر”، الباحث العلميّ في جامعة جورج واشنطن الأميركِيَّة، تتجاوز مجرّد الرئيس نفسه، فهي تتعَلَّق برحيل جيلٍ كامل من النخب المحيطة بالحاكم الروس، والتي لا تزال متمسِّكةً بمعظم المناصب العليا في الدولة، فالعديد من الشخصِيَّات المُقَرَّبة من السلطة، والقادرة على التأثير في اختيار الزعيم القادم، هم في عُمر بوتين نفسه، ويُعَدُّ ابتعادُهم عن الساحة السياسية أمرًا بالغ الأهمّيّة، لأنّهم ما زالوا يسيطرون بشكل غير متناسب على المؤسّسات التي تحدّد مَن له الكلمة الفصل عند حدوث الخلافة.
حديث الخليفة الذي سيرث بوتين، بات الشغل الشاغل وراء الكواليس، وعلى صفحات كبريات الصحف والمجلّات الأميركيّة.
خُذْ إليك على سبيل المثال لا الحصر ما نقلته مجلّة نيوزويك الأميركِيَّة قبل فترة عن”كيبر جايلز” الخبير البارز في الشؤون الروسِيَّة قوله: “من المرَجَّح أن يكون خليفة بوتين حال خروجه من السلطة، مثله أو أشدّ خطورةً منه”.
جايلز يشير إلى وجود كثير من المرشَّحين لخلافة بوتين بعد انتهاء عهده، لكنَّ معظمَهم سيجعلون علاقة روسيا بالغرب وبشعبها أسوأ مِمَّا كانت عليه خلال سنوات حكم بوتين.
هل هناك أزمةٌ حقيقيّةٌ في مسألة خلافة بوتين؟
تشير التقارير الواردة من موسكو إلى أنّ العديد من أصحاب النفوذ والمتنافسين على القيادة اليوم أكبر سنًّا بكثير من الذين كانوا يومًا ما مرشّحين لخلافة ستالين، ممّا يوحي بأنّهم لا يملكون الطاقة أو الرؤية الكافية لإدارة عمليّة خلافة متنازَع عليها.
لا يجبر الدستور الرئيس على اختيار نائب أو خليفة له، وعليه فإنّه يتمّ النظر إلى حزب روسيا الموحِدَّة، الحزب الحاكم الآن، على أنّه القاعدة السياسيّة التي كانت تضمن فوز بوتين في كلّ الانتخابات التي مَرَّ بها.
وبحسب الدستور الروسيّ، فإنه إذا شغر منصب الرئيس، يتولّى رئيسُ الوزراء منصبَ الرئيس بالوكالة إلى حين إجراء انتخابات.
غير أنّ نظرة مُعمَّقة على اختيارات بوتين لرؤساء وزرائه تقطع بأنّه يختار بعنايةٍ مسؤولين لا يملكون قاعدة شعبِيَّة قويّة، ولا يستطيعون التفَوُّق عليه، وهذا يعني أيضًا أنّهم ليسوا خلفاء واضحين.
على سبيل المثال، وبالنظر إلى رئيس الوزراء الروسيّ الحالِيّ، ميخائيل ميشوستين، نجده يفتقر إلى شبكة من المؤيّدين المخلصين، ما يعني أنّه إذا توَلَّى منصب الرئيس بالوكالة، فسيواجه صعوبةً في تحويل منصبه إلى فوزٍ في الانتخابات الرئاسيّة.
ولأنّه لا أحدَ قادرٌ على قراءة أفكار الرئيس بوتين أو سبر أغوار نفسه، فهو الرجل ذو الوجه المشابه لمن يلعب البوكر، بمعنى أنّه لا يمكن قراءة لغة جسده، لذا قد يكون هناك بالفعل خليفة يتم إعداده في هدوء، وتسليم مفاتيح الكرملين له على نارٍ هادئة، وبحيث يكمل مسيرة المواجهة الروسية للإمبرياليّة الغربيّة بحسب ما يعتقد سَيِّد الكرملين اليوم.
هل من شخصٍ بعينه يمكننا توقع أن يكون هو المقرب من قلب بوتين، والذي يحاول إخفاءه عن الأعين، حتى وإن كان ظاهرًا أو معروفًا بصورةٍ أو بأخرى؟
يبدو الاسمُ الأوّل المرشَّح لخلافة بوتين، مثيرًا للدهشة، إذ إنّه لا يأتي في مقدّمة جماعة السيلوفيكي المحيطة ببوتين، ومع ذلك فإنّه الأكثر قربًا من قلب بوتين وعقله، سِيَّما أنّه أنقذه ذات مرّة من الموت المحَقَّق.
الحديث يدور حول ألكسي ديومين، الحارس الشخصيّ السابق لبوتين، والذي تشير بعض المصادر المعلوماتيّة ذات الصبغة الاستخبارِيّة، إلى كونه البطلَ الحقيقيَّ الذي فاوض يفغيني بريغوجين، وليس رئيس بيلاروس لوكاشينكو.
هل هناك أمر شخصي يربط بوتين مع ديومين؟
بحسب رواية صحيفة “كوميرسانت” الروسيّة المحلّيّة، فإنّ ديومين أنقذ بوتين ذات مرّة من هجوم دبٍّ شرس عليه أثناء رحلةٍ في غابات روسيا مفرغًا رصاصات سلاحه الناريّ في جسد الدبِّ، ومعرِّضًا نفسه للخطر بهدف حماية بوتين.
أمّا المعلومة الأكثر أهمّيّةً، والتي تدركها أجهزة الاستخبارات الدوليّة فتشير إلى أنّ ألكسي ديومين، يميل إلى تحسين علاقة روسيا مع الغرب، الأمر الذي يفتح الباب واسعًا لاعتباره منقذ روسيا–بوتين من أزمة العلاقات مع الغرب، وربّما يضحي هذا أحد تفضيلات بوتين الخفِيَّة، حال أراد استنقاذ روسيا التي تتدهور أوضاعها الاقتصاديّة.
لكن ورغم ذلك يظل السؤال :” من سيرث القيصر “؟.
المصدر: العربية – سياسة





