روما تكشف ما هو أبعد من تعثر المفاوضات
كشفت ثلاثة أيام من مفاوضات روما بين لبنان وإسرائيل عن أمورٍ تتجاوز مجرد التعثر الظاهرى؛ فحين تُطرح الخرائط وتُناقش آليات التحقق دون حسم، يتضح أن المشكلة ليست فى غياب الحل، بل فى أن كل طرف يريد حلاً مختلفاً، فالمفاوضات لم تتوقف، لكنها دخلت مرحلة التفاصيل؛ حيث جرى بحث المناطق النموذجية للانسحاب الإسرائيلى، وآلية التحقق، وقوائم الأسرى، والمرجعية القانونية لاتفاق أمنى جديد، ولكن، هل يبدأ المسار بالانسحاب، أم بضمانات أمنية إسرائيلية تسبقه؟ هنا تكمن العقدة؛ فلبنان يرى التفاوض طريقاً لاستعادة سيادته وتمكين الدولة والجيش، بينما تريد إسرائيل التأكد من أن الانسحاب لن يسمح بعودة حزب الله إلى المناطق التى تخليها.
وبين الرؤيتين، أصبحت المناطق النموذجية اختباراً سياسياً: إسرائيل تريد التحقق من الترتيبات الأمنية قبل الانتقال إلى غيرها، ولبنان يخشى تحولها إلى جزر أمنية أو وسيلة لتجزئة الانسحاب، لذلك فإن الخلاف حول ترتيب الخطوات يخفى خلافاً أعمق: هل الانسحاب تنفيذ لاتفاق سياسى، أم عملية أمنية مشروطة؟ لا يكفى القول إن «روما» حققت تقدماً؛ فالاقتراب من صيغة لآلية التحقق وتداول قائمة مختصرة لدول قد تؤدى دور الطرف الثالث، يكشفان عن محاولة أمريكية للجمع بين مطلب لبنانى بضمان الانسحاب، ومطلب إسرائيلى بضمان ما بعده، لكن تبقى أسئلة الصلاحيات وتفسير الخروقات قائمة دون إجابات حاسمة.
وهنا تظهر حدود الدور الأمريكى؛ فواشنطن تستطيع جمع الطرفين والضغط لاستمرار الحوار، لكنها لا تستطيع منح إسرائيل ضماناً مطلقا، ولا مطالبة لبنان بقبول احتلال مفتوح، لذلك تبدو مهمتها أقرب إلى إدارة الفجوة لا إغلاقها؛. إسرائيل تريد الخروج دون أن تبدو مهزومة، ولبنان يريد استعادة أراضيه دون قبول انسحاب مشروط إلى ما لا نهاية، وتبقى الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية عامل ضغط، لا سبباً وحيداً للتعطيل، فربما تسرّع حكومة إسرائيلية أكثر اعتدالاً التفاوض مع بقاء المطالب الأمنية، بينما قد تدفع حكومة أكثر يمينية نحو شروط أشد وخيار عسكرى أكبر؛ أى أن تغيير الحكومة قد يغير إيقاع التفاوض أكثر من جوهر المطالب الإسرائيلية.
لذلك تحتاج بيروت إلى تحويل الاتفاق الإطارى إلى آلية واضحة: جدول زمنى، مناطق محددة، مرجعية للتحقق، ودور واضح للجيش اللبنانى.
نقلاً عن “الأهرام”
المصدر: العربية – سياسة





