«زمن البودكاست».. هل نودّع التوك شو؟
يوحى السؤال، الذى كان موضوع لقاء أجرى معى أمس فى قمة الإعلام العربى فى دبى، بأن صعود البودكاست لا بد أن يكون على حساب التوك شو، وكأننا أمام معركة لا تتسع إلا لمنتصر واحد. لكن تاريخ الإعلام لا يعمل بهذه الطريقة، فالراديو لم يختف عندما ظهر التليفزيون، والتليفزيون لم ينته مع الإنترنت. الذى ينتهى عادة ليس الوسيط، بل شكله القديم حين يعجز عن التكيف مع جمهوره الجديد.
لذلك لا أعتقد أننا نودع التوك شو، بقدر ما نودع احتكاره للحديث العام، ونسخته اليومية، وفكرة أن الجمهور سيظل أسير موعد البث. التوك شو ابن الموعد، أما البودكاست فهو ابن الاختيار.
الأرقام تفسر جانبا من هذا التحول. فوفق بيانات «إديسون ريسيرش» لعام 2026، يتابع 45٪ من الأمريكيين فوق 12 عامًا البودكاست أسبوعيا، وترتفع النسبة إلى 58٪ شهريًا. وعلى «يوتيوب» تجاوز عدد المشاهدين النشطين لمحتوى البودكاست مليار شهريًا. عربيا، يستمع إلى البودكاست ساعة أو أكثر أسبوعيا نحو 60٪ فى السعودية، و57٪ فى الإمارات، و52٪ فى مصر.
هذه الأرقام لا تعنى أن الصوت انتصر على الصورة، فقد أصبح البودكاست نفسه مرئيا. كما أنها لا تعنى أن كل حوار طويل أمام ميكروفونين أصبح بودكاست. الميكروفونان لا يصنعان بودكاست، كما أن نقل برنامج تليفزيونى إلى «يوتيوب» لا يمنحه تلقائيا روح هذا الوسيط.
الاختلاف الحقيقى يتعلق بالعلاقة مع الجمهور. التوك شو يستجيب للخبر، ويصنع لحظة جماعية، ويتيح مساءلة مباشرة وسريعة. أما البودكاست فيمنح المتلقى حرية اختيار الوقت، ويتيح التخصص والعمق، ويبنى علاقة أكثر هدوء وحميمية. التوك شو قادر على جمع الملايين حول حدث واحد، بينما يستطيع البودكاست مرافقة مستمع واحد وقتًا طويلًا.
عربيا ومصريا، ارتبط التوك شو بالبرنامج المسائى الذى يجمع الخبر والتعليق السياسى والشكاوى والمناظرة والترفيه. وأصبح المذيع أحيانا صحفيًة وبرلمانيا ومحكمة رأى عام فى الوقت نفسه. لكن وسائل التواصل كسرت احتكاره للخبر، وأصبح الجمهور يعرف جانبا كبيرا مما حدث قبل أن يبدأ البرنامج.
فى تجربتى مع «رؤية أخرى»، البودكاست الذى بدأت تقديمه منذ عدة أشهر، ذهبت إلى البودكاست لأننى آمنت بأن بعض الأسئلة تحتاج إلى زمن وإيقاع مختلفين. أسعى إلى فهم تكوين الضيف وقراراته وشهادته، لا مجرد انتزاع تعليق سريع منه.
فى التليفزيون كنت أقاوم الساعة، أما فى البودكاست فأقاوم الاستطراد، فالزمن الأطول ليس إجازة من التحرير، بل مسؤولية تحريرية أكبر. الطول ليس عمقا بالضرورة، وقد يكون أحيانا مجرد غياب للتحرير.
التحدى هو تقديم فكرة تستحق وقت الجمهور. المستقبل ليس للصوت فى مواجهة الصورة، ولا للمنصة فى مواجهة الشاشة، إنه للمحتوى صاحب الهوية، الذى يحترم عقل الجمهور ووقته، ويمنحه سببًا حقيقيًا للعودة.
نقلاً عن المصري اليوم
المصدر: العربية – سياسة





